الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الحرية شهيدة المسلمين وفريضتهم الغائبة

حين لا ينص الدستور على أن للدولة دينا، فهذا لا يتناقض مع حماية الدولة للدين وعدم المساس بأي متدين أو ملحد.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/07/02، العدد: 9607، ص(8)]

في الذكرى العاشرة لرحيل الشيخ محمد الغزالي، شهدت مصر واقعة أضاعت 47 عاما من «الجهاد» في سبيل الله، بمنع «أولاد حارتنا». طبعت الرواية في مصر، للمرة الأولى عام 2006، بعد نشرها مسلسلة في «الأهرام» عام 1959، دون أن تسجل واقعة ارتداد أي من قرائها عن الإسلام، إلا أن الغزالي كتب تقريرا تسبب في عدم طبعها في كتاب. وكنا نستقبل نسخا بيروتية توزع سرا، وهو تواطؤ ثلاثي.

نجيب محفوظ اشترط أن يوافق الأزهر على نشر الرواية. رموز التشدد الديني أرضى عدم النشر كبرياءهم، وتأكد لهم نيل مكافأة «الجهاد». الراغبون في القراءة وجدوا دائما إلى الرواية سبيلا.

كان سليمان فيّاض يعمل بوزارة الأوقاف سكرتيرا للجنة (الدفاع عن الإسلام)، مع السيد سابق ومحمد الغزالي، وفي إحدى جلسات تلك اللجنة «قدم الشيخ الغزالي ورقتين معدتين من قبل يستعرض فيهما «أولاد حارتنا» من زاوية الاتهام وحدها… كانت الإدانة لأولاد حارتنا في غيبة من الدفاع والمتهم. ومنذ ذلك الحين وقصة التكفير والاتهام بالإلحاد لا تتوقف»، كما شهد فيّاض.

ولكن عام 2006 لم يشهد ارتداد مسلم عن دينه بسبب إتاحة الرواية، وقد صدرت بمقدمة عنوانها «هذه الشهادة» لأحمد كمال أبو المجد، وكتب كلمة الغلاف الأخير محمد سليم العوا «الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» كما عرف نفسه.

لو حسنت النيات، واحتكم أحدهم إلى العقل، وأعاد النظر في ما يعتبره مسلمات مقدسة، لاتخذ من “أولاد حارتنا” سببا للتخلي عن الإرهاب باسم الدين، فالرواية التي خشوا أن تتسبب في بلبلة عقيدة المسلمين تباع منذ 2006 على الأرصفة. هذا يدعوني إلى النظر إلى أن الإرهاب الديني، في بعض جوانبه وأسبابه، مجرد مهنة، «أكل عيش»، وإلا فماذا سيقول سادة الإرهاب لو مارس المبدع حريته، وخلّوا بين الناس وبين الإبداع لكي لا يظل رهين المحبسين.. رقابة المبدع ذاته، ورقابة لاحقة تمارسها السلطة والمجتمع، إرهاب ديني ونفاق اجتماعي.

تكفي «أولاد حارتنا» لتتبع منحنى العلاقة المرتبكة بين الإرهاب الديني والإبداع.

ويكفي الاستشهاد بالغزالي، بطل الواقعة، لنعرف كيف تنسف المسافة بين أقنعة التسامح وحقيقة التشدد، حين يختبر «الكلام» في ضوء تجربة يخشى البعض منها على العقيدة، أو على «أكل العيش».

ففي عام 1951 خرج الغزالي من الإخوان، واستنكر أن يعتبر الإخوان أنفسهم «جماعة المسلمين»، وفي صباي قرأت كتبه، رأيتها آنذاك عنوانا للوسطية والتصدي للتنطع باسم الدين. ولكن موقفين خدشا تلك القشرة.

في مطلع 1992 قال المستشار مأمون الهضيبي مرشد الإخوان، في مناظرة «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية» بمعرض القاهرة للكتاب: «نحن نتعبد لله بأعمال النظام الخاص قبل الثورة» عام 1952. كان محمد أحمد خلف الله وفرج فودة يمثلان التيار المدني، في مقابل الهضيبي ومحمد عمارة والغزالي الذي لم يستنكر التصريح. وبعد ستة أشهر، 8 يونيو، قتل فودة. قتله شابان بعد فتوى بكفره. وفي شهادة الغزالي بالمحكمة أدان الضحية، وقال إن فودة «كافر ومرتد… ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئات على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة»، وأوضح أن خطأ الشابين ليس قتل الرجل الأعزل، بل افتئاتهما على القيام بما يجب على السلطة أن تقوم به. في تلك الشهادة، التي لم تكن إلا غطاء للإرهاب الديني، إدانة للقتيل، الشهيد الأعزل.

وفي أكتوبر 1994 حاول إرهابي ناشئ قتل محفوظ، ولكن الذبح لم يكتمل. ثم زاره الغزالي في المستشفى، ودار كلام ومجاملات، وألقيت أمام الشيخ كلمة «أولاد حارتنا»، وأنها رائجة رغم المنع، فقال بخشونة: «المخدرات أيضا تجد رواجا». كان السياق يقتضي أن يقول قولا لينا.

هذا اللين قام به عبدالمنعم أبو الفتوح حين زار محفوظ، وحثه على طبع “أولاد حارتنا” بمصر، فاتهمه الإخوان “في عقيدته… اعتبروا ذلك خروجا على العقيدة، وخطب عبدالستار فتح الله سعيد في مسجد إخواني يتهمه في عقيدته. بل انتقدوه بسبب نقده لأفكار سيد قطب في شكل تعاضد سلفي قطبي للدفاع عن فكر سيد قطب”. (حسام تمام: تسلف الإخوان.. تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين). سوف يمر نصف قرن لكي نتجاوز ازدواجياتنا.

على مستوى الوعي الجمعي حين يدرك الحالمون بالمعتصم، ويرددون صيحة المرأة المسلمة «وامعتصماه»، أنه كان نموذجا للنجاح العلماني.

وعلى مستوى النخبة حين لا ينص الدستور على أن للدولة دينا، هذا لا يتناقض مع حماية الدولة للدين وعدم المساس بأي متدين أو ملحد، لينتهي التناقض بين نص دستوري على أن الإسلام دين الدولة، ونص آخر يحظر قيام أحزاب على أساس ديني!

بعد الحكم بتفريق نصر حامد أبو زيد عن زوجته، استجابة لدعوى حسبة تقدم بها مواطن، انتقلت الوصاية/ الحسبة، بعد عشرين عاما، من الأفراد إلى النيابة. ونصت المادة 67 من دستور 2014 على أنه «لا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة»، وهذه ردة على ثورة 25 يناير التي رفعت شعار الحرية.

كُتب علينا أن نعيد تكرار الخطايا، وعدم تجاوز قفزات ومراحل قطعها العقل البشري، نحو نور الله، هذا النور هو العقل، حتى أخشى إعادة مشهد حرق برونو (1548 ـ 1600) حيث سيق إلى النار، بعد سجن واستجواب دام ستة أعوام، وقبلها ظل يبشر بالحرية، رافضا أن تكون لأي هيئة «حق في أن تعين للناس تفكيرهم». وقال لكهنة المحكمة: «لعلكم أيها القضاة، وأنتم تحكمون بهذا الحكم، تحسون من الفزع والرعب أكثر مما أحس أنا عند سماعي له». بعد 300 سنة على الجريمة، بكاه البابا، وأقيم له تمثال في المكان الذي أحرق فيه.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر