الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

بلاغة الأرنب

في كوكبنا العربي، كان محمد حسنين هيكل قد كتب خطابات عبدالناصر التي جعلت من العرب أمة صوتية ذات انتصارات صوتية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/07/04، العدد: 9609، ص(24)]

قرأتُ أن ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الراحل كان ينوي إلقاء خطاب مهم في الميدان الكبير، فأرسل سائقه الخاص والحرس ومرافقيه ليسبقوه إلى موقع الاحتفال، كي يتم مراجعة خطابه وحيدا.

وحين انتهى من تحضير النص، خرج ليوقف سيارة أجرة، فقال للسائق: من فضلك أريدك أن توصلني إلى الميدان الكبير، فقال السائق ولم يعرف أن زبونه هو تشرشل ذاته: “لا.. لن أعمل الآن”.

فسأله تشرشل: “لماذا؟ فقال السائق وهو يدير إبرة الراديو: “لأن تشرشل سوف يخطب الآن وأنا لا أفوّت له كلمة”.

وكان تشرشل مشهورا ببلاغته فقال للسائق: “سأعطيك 50 جنيها”، فقال السائق: “50 جنيها؟! اركبْ وليذهب تشرشل إلى الجحيم” .

أما في كوكبنا العربي، فقد كان محمد حسنين هيكل قد كتب خطابات عبدالناصر التي جعلت من العرب أمة صوتية ذات انتصارات صوتية، وبعده فعل مثقفون أحاطوا بالدكتاتوريات التي حكمت دول المنطقة. فالبلاغة وسيلة اتصال، وغواية، بينما اعتادت الأذن العربية على التطريب في السماع، والاستجابة لكلّ نغم يحرّك ما في أعماقها من كوامن.

فتحدّث الطغاة عن الانضباط والتنظيم والتنمية وتحسين معيشة الناس، فيما عانى الناس من الانفلات والفوضى والفقر، وتحدثت المعارضات عن الحرية والكرامة، فيما كابد الناس حمأة السجون والقمع والمهانة.

ومن بلاغة أمير الشعراء أحمد شوقي بيك، أن قال: “يَحكون أَن أُمَّة َ الأَرانِبِ/ قد أخذت من الثرى بجانبِ/ وابتَهجَتْ بالوطنِ الكريمِ/ وموئلِ العيالِ والحريمِ/ فاختاره الفيلُ له طريقا/ ممزِّقاً أصحابنا تمزيقا/ وكان فيهم أرنبٌ لبيبُ/ أذهبَ جلَّ صوفهِ التَّجريبُ/ نادى بهم: يا مَعشرَ الأَرانبِ/ من عالِمٍ، وشاعرٍ، وكاتبِ/ اتَّحِدوا ضِدَّ العَدُوِّ الجافي/ فالاتحادُ قوّة ُ الضِّعافِ”.

فكان آخر ما تفتّق من بلاغة الفوضى التي تضرب المنطقة العربية، فقد كان مشروع “الأرنب” الذي اقترحته بعض فئات المعارضة السورية، والتي عانت الويلات في سبيل إيصال المساعدات الغذائية والطبية إلى داخل المناطق التي يحاصرها نظام الأسد.

فهو يقتل كل ما يتحرك ويطلق النار على البشر والأغنام والبقر والحمير كما صوّرت الفيديوهات المسرّبة من جوالات جنوده وشبيحته، فلم يعد الأهالي يجدون ما يأكلونه.

وتعالت تحذيرات من أن الناس بدأوا بأكل ورق الشجر وقد يلتفتون إلى القطط والكلاب، فجاء مشروع “الأرنب” ليحل المشكلة، وذلك بجمع المئات من إناث الأرانب القادرة على التكاثر بسرعة هائلة، بحيث تحمل أنثى الأرنب ما بين أربعة وثمانية بطون في العام الواحد.

ويضم البطن الواحد من ثلاثة إلى تسعة خرانق (صغار الأرنب)، ويمكن للأرانب أن تأكل من خشاش الأرض وتشرب من البرك والمستنقعات، ولا تحتاج إلى رعاية، ويمكنها أن تسكن في حطام المدن السورية والقرى، وفي الخرائب وبقايا البيوت المهدمة والمزارع المهجورة، ويمكنها أن تحفر في الأرض اتقاء للقصف والبراميل المتساقطة من السماء.

وهكذا يمكن للمواطنين التقاط تلك الأرانب التي ستتوالد بكثرة، وتناول لحومها، بدلا عن انتظار قوافل المساعدات التي تعجز الأمم المتحدة عن إدخالها إلى سوريا حتى الآن.

أليس الأرنب بليغا في هذه الحال؟! حين لا يجد العالم المتحضّر كائنا قادرا على الحياة في بلد مثل سوريا سوى الأرنب!.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر