الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الحداثة أولا

موقف الأيديولوجيات القومية من الحداثة اتسم سياسيا واجتماعيا وثقافيا بالتلفيق بدعوى الحفاظ على الخصوصية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/07/07، العدد: 9612، ص(15)]

لا يبدو حتى الآن أننا غادرنا مرحلة الجدل المحتدم والعنيف في بعض الأحيان، فيما يخص موقفنا من الحداثة لسببين اثنين، يتعلق الأول منهما بعلاقتنا مع الآخر/ الغربي وموقفنا منه، باعتباره مصدر الحداثة وحامل قيمها، في حين يكمن السبب الثاني في غياب الحامل الاجتماعي الوازن، والقادر على قيادة عملية التحول والتأسيس لوعي حداثي يعلي من قيمة العقل والحرية والمواطنة والتعددية.

الحكومات العسكرية التي سادت بعد مرحلة الاستقلال بأيديولوجياتها القومية، لم تستطع إنجاز مشروع التحديث في البلدان التي حكمتها لأسباب كثيرة، تتعلق بطبيعتها الاستبدادية وفسادها الذي جعل كل همها تكريس سلطتها المطلقة عبر شراء الذمم أوالقمع والترهيب.

لم يكن لديها مشروع حقيقي لعملية التحديث ،لأنها لا تملك أساسا وعيا حداثيا، إلا بالقدر الذي يخدم مصالحها وسلطة استبداداها. نظام الأتمتة واستخدام الحاسوب كان أول من أدخله إلى سوريا واستخدمه هو أجهزة المخابرات ، في بداية ثمانينات القرن الماضي، حينما كانت غالبية السوريين لا تعرف ما هو الكمبيوتر أو نظام الأتمتة.

موقف الأيديولوجيات القومية من الحداثة اتسم سياسيا واجتماعيا وثقافيا بالتلفيق بدعوى الحفاظ على الخصوصية، دون أن تقدم أيّ تصور كامل وموضوعي لمفهوم الخصوصية، أو أن تطرح رؤية علمية ناجزة لمشروع الحداثة الذي يستوعب تلك الخصوصية، ويتفاعل مع قيم الحداثة الغربية بصورة إيجابية في آن.

بنية السلطة العسكرية وعقليتها وخلفيتها الاجتماعية لا تسمح بامتلاكها لهكذا مشروع حداثي. لقد حكمت بعقلية القرون الوسطى، فظل التحديث والحداثة مجرد ديكور أو عمليات تجميل هنا أوهناك، خوفا من الحداثة، التي كانوا يدركون أنها ليست مجرد تقنية ووسائل ونظم حديثة في الاقتصاد والصناعة والمجتمع، بل مجموعة متكاملة من القيم والثقافة، أو هي بمعنى أوضح فلسفة ونظام حياة وسلوك وقيم تطال مناحي الحياة المختلفة.

هذا التلفيق الذي مارسته تلك الأنظمة، لم يستطع أن يحدث التغيير المنشود، وينتقل بالمجتمعات العربية من حال تتصارع فيه المفاهيم والقيم وأنماط الوعي الاجتماعي والسياسي على امتلاك الحاضر والمستقبل تحت مسميات مختلفة، لا تخلو غالبا من مفارقة مضحكة ، كأن تسمع من يقول من التنظيمات الجهادية المتطرفة بأن الله قد سخَّر لهم الغرب بتقنياته وعلومه لخدمتهم.

هذا العقل المستقيل الذي يعيش خارج التاريخ والعصر، لم يكن له أن يبرز ويشتدّ، لولا غياب المشروع الحداثي للمجتمع والحياة. السلطة العربية كنظام ما قبل حداثي، هي المسؤولة عن هذه المآلات، التي لا أحد يعرف إلى أين ستقودنا.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر