الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

نهاية العراق سياسيا

إيران لا تفرط في العراق وقد لا ترضى بالتقسيم لأنه يعطيها جزءا من العراق وليس كله، ولذلك تغامر في الميدان العراقي لـ'حماية العتبات المقدسة'.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/07/14، العدد: 9619، ص(9)]

جميع المعطيات والدلائل وغالبية المصادر السياسية الإقليمية والدولية، ما عدا حكومة بغداد تشير إلى أن عراق ما بعد التاسع من يونيو 2014 هو ليس ما قبله.

فالأكراد أكثر من غيرهم يتحدثون عن هذا الواقع الجديد، الذي فرض معادلة جديدة لأي شراكة سياسية مفترضة مع حكومة جديدة في بغداد دون نوري المالكي، عليها التسليم بهذا الواقع الجيوسياسي الذي أنتجه انهيار قطعات الجيش العراقي في الموصل وصلاح الدين وغيرهما.

تنظيمات “داعش” شكلت “دولة إسلامية” في الموصل أعلنها أبو بكر البغدادي في تسجيل لم يكذبه سوى إعلام الحكومة، في حين انشغل الإعلام البريطاني والأميركي بالحديث عن نوع الساعة التي يرتديها البغدادي، وهو يسعى إلى نقل شعار “دولة العراق والشام” إلى الواقع.

هذه الانتصارات الداعشية سببتها سياسات الحكم في كل من دمشق وبغداد، أما القوى العراقية المسلحة المتنوعة فتقول إنها فرضت واقعا جديدا، وتشكيلاتها الحالية هي امتداد “المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي” منذ عام 2003، حتى هزيمته على يدها ورحيله عن العراق عام 2011، وظلت خلاياها المسلحة نائمة إلى حين تفجر أزمة الأنبار عام 2013، ومشاركتها للعشائر في الاعتصامات السلمية التي قمعت بالسلاح، وهذه الفصائل إلى جانب ثوار العشائر تنسب لنفسها معظم الأهداف العسكرية التي تحققت وتتحقق.

هذه الفصائل لديها مشروع سياسي أعلنته بعض الوجوه السياسية، رغم عدم وجود كيان سياسي واضح لها، يدعو إلى رفع الظلم الذي لحق بسكان المحافظات العربية السنية، وشرد الملايين من أبنائها، ويطالب بتغيير شامل للعملية السياسية عبر تشكيل “حكومة إنقاذ وطني” غير طائفية، تعيد النظر في جميع مرتكزات النظام السياسي الطائفي القائم. وتحاول تلك الجماعات عبر بيانات وتصريحات تصحيح النظرية المسوّقة بأن السنة يريدون إزاحة حكم الشيعة، وتنصيب أنفسهم بدلاء عنهم.

إذن كل الجهات المعارضة للوضع السياسي القائم في بغداد (الأكراد وتنظيم داعش وفصائل الثوار) لديها مشاريع سياسية واضحة، ما عدا الأطراف الشيعية، لديها شعور بأن الجميع يريد إزالة حكم الشيعة، وأن ما يحصل في العراق الآن هو “هجمة لداعش” بمساندة ورضىالكثير من المعارضين، والمعادلة من وجهة نظرهم هي إما أن تكون مع تلك “القوى الشيعية” أو تكون مع “داعش”.

هذا التبسيط والتسطيح للقضية، إما ناتج عن جهل سياسي، أو إنه مقصود لخدمة التداعيات المحتملة ومخاطرها عراقياً وإقليمياً وأكثرها بشاعة تقسيم العراق والمنطقة، أي نهاية العراق.

إن الوضع العراقي الحالي شديد التعقيد، وسببه العملية السياسية التي أدارت الحكم منذ عشر سنوات إلى حد اليوم، والأميركان يتحملون النصيب الأكبر من المسؤولية لأنهم صناعها.

كما إن القوى السياسية الشيعية الحاكمة أعطت أنموذجاً بائساً ومتخلفاً لحكم “الشيعة” في العراق، إلى جانب الأنموذج السيئ لمشاركة من يدعون تمثليهم للسنة في هذا الحكم، مع أن أبناء الطائفتين الشيعية والسنية هما في الظلم والحرمان واحد.

هناك مفردات يومية لن تغيّر من مسيرة الأزمة المتصاعدة نحو المجهول، مثل محاولة تشكيل حكومة جديدة تسعى جميع قوى العملية السياسية إلى أن تكون دون نوري المالكي، وفق تصور مجتزأ بأن تغيير المالكي سيحل الأزمة، وهو إيهام للشعب العراقي وللرأي العام، مع أن جلسة البرلمان قد أخفقت أمس الأحد وتم تأجيل انعقادها إلى يوم الثلاثاء القادم. مع العلم أن الموقف الكردي له خصوصيته المتعلقة بمصالحهم السياسية.

ولعل الإجراءات الحكومية الحالية ستزيد من تعقيد الأزمة مثل محاولة تكرار تجربة المحتل الأميركي في إنشاء “الصحوات” في الأنبار عام 2006 وما انتهت إليه من كوارث، وذلك في قيام “صحوات” بمناطق ومدن صلاح الدين ونينوى، بإشراف وتنسيق أميركيين مع حكومة بغداد من خلال عقد اجتماعات وشراء ذمم رخيصة منبوذة وهاربة من أبناء جلدتها في تلك المناطق، وهي محاولة محكوم عليها بالفشل وعلى أصحابها بالخذلان.

كما أن الأكراد يتحدثون اليوم عن الجار الجديد (new state- ISIS)، حسب التصريحات الأخيرة لرئيس إقليم كردستان فؤاد حسين الذي استضافه قبل أيام معهد واشنطن، حيث طالب الإدارة الأميركية بالتعاطي مع الوضع الجديد بما يحافظ على دعم واشنطن للأكراد، قائلاً “أن أي تواصل محتمل بين بغداد وأربيل سيتم منذ الآن عبر مطارات دولية”.

وهذا العجز المحلي من قبل قوى الكتلة الشيعية القائلة بأحقيتها في الحكم تقابله مخاطر “داعش”، وهذه الصورة ليست غامضة أمام عيون الأميركان والإيرانيين الذين يسعون بهدوء إلى وضع حلول سياسية لخارطة جديدة للإقليم العربي ومرحلياً العراق وسوريا ولبنان، تأخذ بالاعتبار مصالح القوى النافذة في المنطقة والمتأثرة بالحالة العراقية، ولعل أشدها خطورة تعرض العراق إلى التقسيم الذي تبدأ أبوابه من كردستان.

فإيران لا تفرط في هذا البلد وقد لا ترضى بالتقسيم لأنه يعطيها جزءاً من العراق وليس كله، ولذلك فهي تغامر عسكرياً في الميدان العراقي تحت شعار “حماية العتبات المقدسة” عن طريق المئات من قوات الحرس الثوري، بالتعاون مع المليشيات التي استعادت فعالياتها الطائفية ضد أبناء العرب السنة، تحت شعار محاربة “داعش”.

كما أن لتركيا مصالح في استراتيجيتها التي تراجعت وفق اتفاقات براغماتية مع القيادات الكردية لكي تشكل كردستان ظهيراً حامياً لتركيا، وما يقال عن صفقة عقدت بهذا الشأن يحاول حزب العمال الكردي أن تكون له حصة فيها كجزء من الخارطة الكردية في كل من العراق وسوريا وتركيا.

إذا كانت هناك من مقومات تاريخية تحمي العراق وجودياً، فلا وجود لمقومات سياسية قادرة على حمايته من التفكك بعد فشل دولته ونظامه السياسي، هكذا هي نهاية الكيانات الطائفية.

فهل يتمكن الأصلاء المحبون لوطنهم من الصمود والحفاظ على العراق؟

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر