الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

أيها المثقف الفاشي: أنت فاشي

الفاشية الآن ذات طبيعة انتقائية، تراعي الانتماء الديني أو المذهبي للضحية، فيجوز قتل الشيعة، أو الإخوان أو الجنود، لأنهم كذلك.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/07/18، العدد: 9623، ص(9)]

في نوفمبر 2000 دعيت لمهرجان المربد الشعري السادس عشر، وتحملت نفقات السفر، وكتبت عقب الرجوع باستفاضة، تحت عنوان «شرك الكلام عن العراق الآن.. شعب تحت الأرض يتنفس الشعر»، وهو فصل تصدر كتابي «سبع سماوات»، وخلا من التطرق إلى انحياز «مثقفين» عرب إلى الفاشية.

وفي التاسع من أبريل 2003 أحسست بالإهانة، حين غطي وجه تمثال صدام حسين بالعلم الأميركي، رسالة إلى المرضى الواهمين بالكلام الكبير عن مقاومة غزاة أتت بهم سياسة صدام، وكانوا أولياء نعمته، قبل أن يتمرد.

ولكني شعرت بمرارة وغضب من إهانة صدام واستباحة جسده، عقب إعدامه مباشرة، فجر عيد الأضحى 30 ديسمبر 2006، فمن الجبن إعلان الانتصار على جثة. وأدهشتني شماتة بعض «المثقفين» بمعمر القذافي، حين قتله ليبيون يوم 20 أكتوبر 2011، في سلوك غاضب وهمجي يخلو من البطولة، أثار تعاطف الكثيرين مع سفاح، وحرم التاريخ من تفاصيل درامية دفنت مع قاتل مجهول القبر.

كان صدام حسين ومعمر القذافي أسيرين، وللأسرى في القوانين الإنسانية وفي الخطاب الإسلامي «النظري» حقوق، ليس منها قتل الأسير، وإنما علاجه قبل تقديمه للمحاكمـة، وتجنـب إهانته حتى وهـو في الطريق إلى الإعدام، وهي عقوبـة آمل أن أشهد إلغاءها، ولكن السلفيين «التكفيريين» يستبيحون تعذيب المختلف في الرأي، وقتل المختلف في المذهـب، أما السلفي الطيب فيكتفي، في نهاية خطبة الجمعة، بالدعاء على اليهود والنصارى الذين صنعـوا لـه الميكـروفـون ناشر اللعنـات.

كان أرسطو معلم الإسكندر الأكبر، ويقال إن الفيلسوف كان ينبه الإمبراطور الشاب، وقد امتدت حدود مملكته وقوة جيشه إلى أقصى الشرق: «تذكر أنك بشر».

فلماذا ينحرف «المثقف» ويتطوع بخدمة الفاشية؟ ويرقص في حفلات الدم؟

كانت حرب فيتنام اختبارا لإنسانية كثيرين. لم يتسلل السم العنصري إلى الملاكم محمد علي «كلاي لقب يعني الطين»، فاعترض على الرجل الأبيض، ورفض الحرب على فيتنام، تلك حرب عارضها مطلع السبعينات «الناشط» جون كيري وزير الخارجية الأميركي الحالي، ثم اكتفى بمشاهدة قتل الشعب السوري، ويصمت الآن عن حرب إبادة إسرائيل للفلسطينيين في غزة.

في أزمنة الفتنة تختبر معادن البشر، وخصوصا من يعتاشون من عائد «الكلام الكبير»، ولا ينجو إلا من رحم ربك، فالمثقف الذي يفترض أن يكون على يسار السلطة، وناقدا لأي نظام، تكون سقطتـه قاتلة، تنسـف تاريخه.

جون شتاينبك فقد شرفه الإنساني والأدبي، بعد أن رافق طيارا أميركيا، في غارة جوية على فيتنام، شبّه فيها عملية قصف المدنيين بالموسيقى. كتب الروائي الطاعن عن الطيار القاتل: «كانت أصابع المقاتل الجوي تضغط على مفاتيح إسقاط القنابل مثل أصابع عازف البيانو الماهر».

لم يكن شتاينبك استثناء، فالشاعر الأميركي إزرا باوند استراح ضميره لاحتلال إيطاليا لليبيا، وانحاز إلى موسيليني، بعد أشهر على إعدام الشهيد عمر المختار. سقطة أخلاقية مزمنة، ربما وقع شتاينبك ضحية هوس التفوق الأميركي، أما باوند فاستمرت غيبوبة ضميره، وأعجبه دور حليف الشيطان، ونشر كتابا في الدفاع عن موسوليني، وظل صوتا للفاشية حتى احتلال قوات الحلفاء لإيطاليا عام 1945، فاعتقل في سجن عسكري، ثم انتقل إلى السجن في بلاده.

الظاهرة إذن تتجاوز العالم العربي الذي رضي بعض مثقفيه بإطالة عمر الـدكتاتوريـات العسكريـة والعشائرية القبلية، صمتـا وتواطؤا أو انحيـازا صريحـا. في الغرب يصيبهـم انهيار عصبي بسقوط المشروع الفاشي، فيقضون خريف أعمارهم في مصحة نفسية أو منفى اختياري داخل بيوتهم وأوهامهم، وفي مصر يتطاوسـون ولا يخجلـون، ويـكفي إلقاء نظرة على مثقفـي حسني مبـارك يوم 30 سبتمبر 2010، ثـم مد الخيوط على آخـرها، لرؤية مواقعهم في الخريطة الجديدة الآن.

يجري الفكر الفاشي في دماء أصحابه، ولو انتقلوا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. كان سيد قطب أكبر محرض على الدم بعد 23 يوليـو 1952، وقد أعلنها قادتها الضباط «ثـورة بيضاء»، فغادر الملك بكرامتـه، وسط حرس الشرف وطلقات المدفعية، وحضور ممثلي الثورة.

ولكن سيد قطب استكثر رحمة الله على عباده، وحرّض على إعدام شابين شاركا في احتجاج عمال شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة كفر الدوار يومي 12 و13 أغسطس 1952، وكتب يوم 15 أغسطس في صحيفة «الأخبار» تحت عنوان «حركات لا تخيفنا»: «لقد كسبنا المعركة من غير شك وكان أمر الله مفعولا… لقد أطلع الشيطان قرنيه. فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب».

انتقلت الفاشية إلى أقصى اليمين، ففي كتابه «معالم في الطريق» وضع دستور الإخوان وأحفادهم من جماعات التكفير: «وطن المسلم الذي يحن إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض… إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئا آخر على الإطلاق… إنها ليست معركة سياسية ولا اقتصادية… لو كانت شيئا من هذا لسهل وقفها، وسهل حل إشكالها، ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان.. إما جاهلية وإما إسلام!».

في تفسير الميول الفاشية ربما ينبغي تذكر نظرية الإسقاط في علم النفس، فالفاشية الكامنة في نفوس مرضى لم تتح لهم ظروفهم القاهرة رفاهية التسلط والاستبداد، تجعلهم «يسقطون» مساوئهم، وتشوهاتهم الروحية وكراهيتهم للبشر، على الآخرين.

من يعانون عقدة الاضطهاد، ويظنـون اللـه في عـلاه تفرغ لإحباط أعمالهم، يدعون الحكمة، ويسارعون إلى التكفير الثوري والوطني والديني والإنساني، استباقا لأي تفسير يضعهم أمام حقيقة هشاشتهم. كان بعضهم أقرب إلى عبد مملوك لفاشي أو فاسد صغير، وبدلا من الاعتراف بالخطأ، وهو كاف للغفران، تعلو أصواتهم بمزايدة لا يملكون غيرها.

في إحدى رباعياته يقول صلاح جاهين:

«رقبة قزازة وقلبي فيها انحشر

شربت كاس واتنين وخامس عشر

صاحبت ناس م الخمرة ترجع وحوش

وصاحبت ناس م الخمرة ترجع بشر»

وفي المشهد المصري الحالي يمكن وضع «الثورة» مكان «الخمرة»، فكلتاهما تجلو النفوس، وتعري الكذب، وتخرج من البعض أجمل ما فيه، ومن آخرين الأسوأ.

الفاشية الآن ذات طبيعة انتقائية، تراعي الانتماء الديني أو المذهبي للضحية، فيجوز قتل الشيعة، أو الإخوان أو الجنود، لأنهم كذلك. وفي حين أيد علمانيون محبطون فاشية الإخوان، لم يخجل بعض أعداء الإخوان من الاعتراف بأنهم فاشيون. تثبت الثورة أن الثقافة مهنة، وأن المثقف لم يعد صاحب رسالة، لذا وجب التنويه.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر