السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

العربية والوقواق والمشهد

ما يزال التقديس والأنانية يسريان في الناس، رغم هول ما تتعرض له أيامهم ولياليهم، ولسان حالهم يقول: 'إذا متُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ”.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/07/18، العدد: 9623، ص(24)]

رغم الحرية الكبيرة التي تمنحها اللغة العربية للناطقين بها، في رحابة منطقها وسعة قواعدها إلا أنهم لم يتمتعوا بما تضمّه من حرية في التنقّل والاستخدام وبالتالي التفكير والانطلاق في الحياة، وللعربية فلسفتها التي قُهرت هي الأخرى بالتقعيد والنحو المتشدّد وواحدية القالب، ومنها اليسير المليح الذي يثير الحواس ويلعب مع العقل، فقد مرّ معي بيتٌ غريبٌ من الشعر لا يتحرك اللسان عند قراءته وهو من عجائب العربية ويمكن للقارئ الكريم أن يجرّبه بنفسه، يقول الشاعر المجهول:” آبَ همَّي وهَمَّ بيْ أحبابي/ هَمُّهم مَا بِهم وهَمّيَ ما بيْ”، وبيتٌ آخر قديم لا تتلامس الشفتان عند قراءته يقول صاحبه:” قَطَعنَا على قطعِ القَطا قطعَ/ ليلةٍ سِراعاً على الخيل العِتاقِ".

وبدلاً عن أن يكون أبناء العربية بحوراً مثلها، اضمحلّوا وانكمشوا في صورة العاشق القوي، الهائم في عبوديته، مستبدلين حرية الكلام بعبودية الأقوياء، وعلى ذكر العربية يذكرُ العلامة العملاق مصطفى جواد المولود في بغداد في العام 1904، والذي كان تركمانياً من عشيرة صارايلو ولكنه مع ذلك قدّم للغة العربية ما لم يفعله كثيرٌ من العرب في عصره، والذي كتب في شطر من أطروحته المقدمة إلى جامعة السوربون: “الخليفة العباسي الناصر لدين الله بلغ مقام التقديس، وروي أنّه خرج من بيته وبال في الصحراء في طريقه إلى سامراء، فقرّر الناس أن يبنوا على ذلك الموضع قبّة عالية وعمارة عرفت بـ (مشهد البولة)".

وقد سُقتُ هذا مع الاعتذار من حشمة القارئ، فالبذاءة في الفعل لا في النقل، كي أتحدّث عن ولع القتيل بقاتله، وولع المحكوم بالحاكم، مع أن المؤسس الأكبر للحضارة العربية والإسلامية لم يتردّد ببلاغة النبوة بالقول: “إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ” إلا أن من جاؤوا بعده بمراحل أوجبوا الخنوع والانضباط، فأصبح من ضرورات الحكم دهسُ كل أخلاقيات معروفة ومتوارثة.

وزرع هذا في نفوس الناس جذراً عميقاً من الأنانية، فالمساحة حول السلطان لا تتسع للجميع، وصار طبع البشر شبيهاً بطبع طائر الوقواق، أكثر مخلوقات الله أنانية، والوقواق طائرٌ كبير يعشق نفسه، فلا يكلّف خاطره ولا يتعب ببناء عشّ، بل ينتقي عشّ طائر من نوع آخر، وتبيض فيه أنثاه بيضة وحيدة لعينة إلى جوار بيض العش الغريب وتترك المسؤولية على أصحاب العش، فتنمو بيضة الوقواق بسرعة هائلة سابقة بقية البيض، لتفقس عن فرخ يعتقد الطائران صاحبا العش أنه أحد فراخهما، فيجهدان في إطعامه، ولكنه يستغلّ غيابهما في رحلة البحث عن الطعام، ليبدأ بدفع البيض الأصلي للطائرين، فيلقي بالبيضة تلو البيضة خارجاً، ليبقى وحيداً يستفرد بطعام أبويه بالتبني ثم يكبر ويكبر حتى يصبح أضخم من العش بكثير وحين يشتدّ عوده، يطردهما على الفور.

وما يزال التقديس والأنانية يسريان في الناس، رغم هول ما تتعرض له أيامهم ولياليهم، ولسان حالهم يقول: إذا متُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ” مع أن حكيماً عربياً عتيقاً قال :”ولو أني حُبيتُ الخُلدَ فرداً/ لَمَا أحببتُ في الخُلدِ انفرادا/ فلا هَطَلتْ عَليَّ ولا بأرضي/ سَحائبُ ليسَ تنتظمُ البلادا”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر