الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

داعش والدراما التاريخية

طردت داعش مسيحيي الموصل في انسجام مبرمج مع دورها الدرامي التاريخي في مشروع تفريغ الشرق الأوسط من عربه وسنّته ومسيحييه وحتى معتدليه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/07/25، العدد: 9630، ص(24)]

كان صديقنا الممثل الفلسطيني الراحل نصر شما صاحب صوت رخيم، منفتحاً وغير متدين، وكثيراً ما أسندت إليه بطولة أدوار تاريخية مثيرة على الشاشة، ‏وكلفته كبريات شركات الإنتاج بالقيام بدور ضابط اللغة العربية الفصحى في المسلسلات الدرامية الناطقة بها.

ولكن شما كان يصدّق الدور الدرامي الذي يقوم به، وينخرط فيه انخراطاً تاماً وكأنه تحت تأثير التنويم المغناطيسي ملتزماً بمبادئ المهنة، فيبقى شهوراً عالقاً في أدواره، فيظن نفسه مرة النجاشي أو أذينة أو الملك لير، ولا يميّز بين الواقع والتمثيل، وحين توفي أحد أصدقائنا الفنانين اليساريين الذي كان مسيحياً متزوجاً من مسلمة، قرر المثقفون إقامة حفل تأبين له، وجاء الضيوف وأصحاب الكلمات، ولكن مدير الحفل تخلّف عن الحضور، فقام الجميع بالطلب من الفنان نصر شما الذي كان حاضراً أن يقدّم حفل التأبين بحكم ملكاته الخطابية.

فوقف الفنان المسنّ بشعره الأبيض ولحيته البيضاء على خشبة المسرح ليرتجل كلمة مختصرة يفتتح بها الحفل، فقال: ” كان الفقيد فناناً حقيقياً جميلاً شفافاً” ثم صمت للحظات، وكان في ذلك الوقت يصوّر مسلسلاً تاريخياً عن فجر الإسلام، ثم تابع حديثه:” لقد أسلم الفقيد وحَسُنَ إسلامُه بعد أن كان نصرانياً ضالاً، زرتُه وهو على فراش المرض، وكانت سكرات الموت تعبث بروحه فرفع إصبعه السبابة وقال(أشهد أن لااااا إلا الله وأن محمداً رسول الله) اللهم فاشهد اللهم فاشهد” فدُهش الحاضرون من كلام شمّا، وكانت أسرة الراحل مدعوةً بأعيانها وكبارها، وهي أسرة مسيحية سريانية عريقة في سوريا، بالإضافة إلى أصدقائه من نجوم الفن والثقافة السوريين.

ولكن شمّا تابع حديثه:” كان الفقيد يشمّ ريح الجنة، ويرى الأشجار والظلال الوارفة في عليين وفي الفردوس الأعلى، أما أنتم يا عباد الله فاتعظوا من قصة الفقيد، وخذوا العبرة، لا أنسى حين رفع سبابته وقال (لااااا إلا الله محمد رسول الله) بعد أن كان يعيش في ظلام دامس″ وهنا بدأ الهجوم على منصة المسرح، فوجئ نصر شما وهرب إلى الكواليس محاولاً النجاة من الغاضبين الذين أرادوا منه ذكر الرجل بالخير وليس إثارة فتنة دينية، وتم تهريبه من المسرح إلى الخارج واختفى عن الأنظار أكثر من شهر، ريثما تهدأ النفوس، واعترف انه لم ينتبه إلى نفسه ولم يعرف ما قال ، بل كان مسترسلاً بناء على استغراقه في دوره في المسلسل.

اليوم طردت داعش مسيحيي الموصل وأحرقت إحدى أكبر وأقدم كنائس الشرق، في انسجام مبرمج مع دورها الدرامي التاريخي في مشروع تفريغ الشرق الأوسط من عربه وسنّته ومسيحييه وحتى معتدليه من الليبراليين واليساريين، مع أن أديان العالم الكبرى ظهرت في الشرق.

ولأن الشرق روحاني بفطرته فهو لا يحتاج لكل هذا التسعير ممن أخذوا عنّا عقائدنا وأعادوها إلينا دموية وحشية بعد أن لبست طبائعهم، فما علاقة الفارسي والأفغاني والشيشاني بالحسين وزينب وبيت محمد وما علاقة الأوروبي بالمسيح الآرامي وأمّه البتول وما علاقة البولندي والروسي بنجمة داود السداسية المشتقة من زهرة الرمّان الدمشقية التي عاشت طويلاً من الشام إلى الأندلس دون أن يهينها أحد.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر