الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

المسلمون: مئة عام من السراب

لماذا تتوازى في العالم الإسلامي مضخات الإفتاء وطواحين الكلام، بفخر كاذب، عن عظمة الإسلام مع تصاعد أنواع الشرور في 'ديار الإسلام'، من العنف اللفظي والجسدي الفردي، ودكتاتورية الأنظمة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/07/30، العدد: 9633، ص(9)]

مفارقة يجسدهـا رسم تصويري انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، في أعلى الجانب الأيمن شيخ، قبل أكثر من مئة عام، يصرخ متوعدا النـاس بنار جهنم، يقابلـه في الجانب الأيسر باحث يجري تجربة علمية.

في القسم الثاني صورة للشيخ نفسه ينذر الناس بنار وقودها الناس والحجارة، تقابلها صورة للعالم وقد نجحت تجربته وأفاد الإنسانية، وصارت الطائرات حقيقة، ولكن الشيخ نفسه يطلق صيحته بالحماسة نفسها في صورة جديدة، في حين تجاوز العالَم عصر ما بعد الإنترنت، وتغير أفكارا وعمرانا وعلاقات وقيما يجهلها مرضى الهوس الديني الذين لا يرون المسلمين عالة على العالم.

تزامنت الصورة الأولى للشيخ المهووس مع قول الإمام محمد عبده إنه رأى في الغرب إسلاما من دون مسلمين، ولكنه يعيش في العالم الإسلامي بين مسلمين من دون إسلام، وهي مقولة يطلقها أي “إسلامجي” لإثبات أن الدين الإسلامي ليس حجة على تخلف المسلمين. ولكن أحدا لم يسأل نفسه:

لماذا تتوازى في العالم الإسلامي مضخات الإفتاء وطواحين الكلام، بفخر كاذب، عن عظمة الإسلام مع تصاعد أنواع الشرور في “ديار الإسلام”، من العنف اللفظي والجسدي الفردي، ودكتاتورية الأنظمة، وإرهاب الجماعات الخارجة عليها، والتحرش بالمرأة، وعدم احترام المختلف في الدين أو المذهب، والتلصص على عورات الآخرين، واستئناس القذارة والقبح في الميادين والطرق؟ بعض هذا الأذى البصري من “آثار” المسلمين، هو قمامتهم يلقونها في الشارع، قبل دخول المساجد التي تصلها آثار هذا القبح، من روائح ومظاهر غير آدمية.

فلماذا لا يتأثر سلوك المسلمين بهذا الجيش من “الدعاة”؟ وماذا لو هبط على الأرض كائن فضائي، وأراد أن يختار دينا؟ لا وقت لديه لقراءة الكتب المقدسة، سيحكم على أي دين في ضوء سلوك أتباعه، فهل يمكن أن يفكر في الإسلام؟ وأي إسلام سيختار في جغرافيا ممـزقة تمتد من بقايا طالبان، ولا تنتهي بالمحـاكم الشرعية في الصومال و”بوكو حرام” في نيجيريـا؟ مرورا بإسلام الإخوان والجماعـات التكفيرية، وإسلام إيران وحزب الله، وإسـلام داعش، وإسلام أبي حمزة المصري وعمر عبد الرحمن وغيرهما من “الدعاة” الذين ضاقت بهم دكتاتورية المسلمين، واتسع لهم صدر الغرب “الكافر”، ومنحهم إعانة بطالة دائمة، لا يسأل “الدعاة” عن مصادرها، ضرائب على الخمور ولحم الخنزير مثلا. هؤلاء “الدعاة” يستحلون أموال الغرب “الكافر”، ويتمتعون بحقوق دينية ومدنية يحرم أمثالهم المسلمون من كثير منها في “ديار الإسلام”، ويدعون بتعال أننا خير أمة، ويعلنون في فضائيات إسلامجية، بثقة مصحوبة بابتسامة، اقتراب “نصرالله” برفع الآذان من فوق برج إيفل.

لا جديد في تسجيل حقائق قديمة، عن عدم مسؤولية أي دين عن جرائم معتنقيه، فلا تسأل المسيحية عن الحروب الصليبية وغزو أميركا، تحت ظلال الكتاب المقدس، وقتل السكان الأصليين، ولم يكن اسمهم “الهنود الحمر”.

ولا يسأل الإسـلام عـن الحروب الأهلية الإسلامية، من دماء الفتنـة الكبرى، إلى آلاف قتلهم سليم الأول حـين غزا مصر. يذكر سلامة موسى في كتـابه “حرية الفكر وأبطالها في التاريخ” أن الدين لا يضطهد أحدا، والذي يضـطهد هو سلطة دينية أو تستعين بـالديـن: «إن الدين للمسيح وإن الكنيسة لبـولس»، وإن المسيحيين اضطهـدوا المسيحيين “بهمة لا تعرف الكلل” نحو ألف عام. ويخلص إلى أن “البابوية والخلافة كلتاهما من أثر المسيحية والإسلام، وإن لم يكونا من بنية المسيح أو محمد”.

بقيام الثورة الفرنسية بدأ عصر «الدولة» التي تحررت من سطوة رجال الدين، واستبدلت القانون دينا للدولة بأساطير الكهانة، ورفعت شعار: «اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس».

والسؤال الذي لا يريد أي مسؤول سياسي أو ديني في مصر أن يواجهه: هل تحتاج البلاد إلى مليون “داعية” يدعون المسلمين إلى الإسلام؟ هل المسألة “أكل عيش” وتجارة بكلام ساذج مضغته أفواه الخطباء طوال 14 قرنا؟ ولماذا لا يكون الخطاب الديني بعيدا عن الطائفية، وأكثر عقلانية وتصالحا مع الآخر، وتفاعلا مع ما ينفع الناس، بدلا من صراخ خطباء الجمعة، في مصلين متعبين يوحدون الله ويؤمنون برسوله، لإثبات وجود الله؟.

كتبت عام 2007 مقال “المصريون يكتشفون الله”، عن هوس ديني يجسد النفاق الاجتماعي والخواء الروحي. ظننت ثورة 25 يناير ستهدي إلى العقل، وتنهي الهوس باسم الله والوصاية على عباده، وتدفع في اتجاه الإيمان بالمستقبل بوسائل المستقبل، بعد الوعي بأن فترات القوة في التاريخ الإسلامي كانت ثمرة لتوجه عقلاني علماني يهتدي بحديث: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، إذ السياسة من أمور الدنيا، وليس من مهام الدولة أن تسوق المواطنين إلى الجنة، ولا أن تدخل الناس في الإسلام، وإنما تحمي أتباع أي دين، وتصون حقوق الملحدين. هكذا كان المأمون والمعتصم “وامعتصمااه”، وفي عصرهما أثيرت قضية خلق القرآن.

للذين يتخذون الدين وظيفة ومنصبا، ومن خلال المنصب الوظيفي يتدخلون لتهدئة الثائرين، وإطفاء نار ربما أسهموا في أن تظل جمرتها تحت الرماد، كلما أثيرت واقعة إسلام امرأة أو تنصيرها، لهؤلاء أسأل: هل يضير المسيحية أن يتركها مليون مصري، وهل ينتقص من الإسلام أن يرتد مليون مسلم، إلى المسيحية أو الإلحاد؟ أكاد أردد آيات منها: “ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء”، “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”.

هذه المصارحة ستكون بابا على المستقبل، والتخلي عن أوهام الاستعلاء الديني، والاعتراف بتخلفنا الحضاري. كان يمكن للعالم الإسلامي أن يضيف إلى تاريخه نحو أربعة قرون، ولكن مشايخ السلطان، الذين لم يؤلمهم الاحتلال العثماني للعالم الإسلامي، أفتوا بتحريم المطبعة. اختراع أفاد به جوتنبرج الإنسانية، ولو سمحوا به لاختصرت قرون من الاستبداد وتخلف التعليم، وكل مظاهر “انحطاط المسلمين”، والمصطلح للندوي. وأثير جدل في مصر حول جواز أو كراهة الوضوء من ماء الصنبور، وكان مفتي الحنفية جريئا فأجازها، ودخلت “الحنفية” المساجد. أما اللغم المزمن الذي نجح الاستعمار البريطاني في زرعه، فهو مادة “دين الدولة”، وهذه قصة أخرى.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر