الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

أين العمل الجمعوي الموحد في الفضاء المغاربي

إن ترشيد وتجسيد وتفعيل العمل الجمعي الشعبي يمثل مظهرا من الشعور الجمعي المغاربي في طبعته الشعبية التلقائية، ويمثل البدايات الصحيحة لإعطاء المجتمع المدني استقلاليته.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/07/31، العدد: 9634، ص(9)]

في ظل إصرار الجزائر على استمرار غلق الحدود مع المغرب، وتفاقم سوء الأوضاع الأمنية في ليبيا، وعدم استقرار تونس، وضآلة دور موريتانا، أصبح مشروع الاتحاد المغاربي مجرد حبر على ورق، علما أن سنوات طويلة مرَت على إنشائه، وكان الهدف منه هو جمع شمل الدول المغاربية، وتطوير الثقافة السياسية الجماعية، والحد من غلواء الدولة القطرية المنغلقة على نفسها.

لا شك أنه بعد تأسيس هيكل هذا الاتحاد استبشرت شرائح واسعة من المواطنين والمواطنات، ولكن جذوة الأمل في أن يتحول إلى خيمة شعبية جامعة قد بدأت تذبل. ومما يؤسف له أن القاعدة الشعبية المغاربية قد تأثرت سلبيا بمثل هذا الوضع الشاذ، الأمر الذي أدى ولا يزال يؤدي إلى جمود الحركات الاجتماعية ذات النهج الوحدوي.

لا بد من القول إن الدول المغاربية، في إطار مشروع الاتحاد المغاربي، لم تبادر إلى يومنا هذا إلى تكوين الجمعيات والتنظيمات المهنية والثقافية والفنية، والإبداعية الشعبية المتحدة، وفسح المجال لها لتعمل في إطار قانوني قصد تجاوز أشكال العزلة ومن أجل توحيد الجهود في جميع المجالات الحيوية ذات الصلة بالإعلام والتعليم والثقافة والفكر والفنون والمعمار والزراعة والفلاحة والسياحة،…

في هذا السياق فإنه يجب على أهل الحل والربط في المشهد السياسي المغاربي النظر إلى الحركات الجمعوية نظرة جديدة، على نحو يضمن استقلاليتها وعدم تبعيتها للأنظمة السياسية، وذلك في ظل الحرية كي توحد صفوفها، وتنطلق في الحركة وفاعلية النشاط الخلاق دون قيد أو شرط.

من المعلوم أنه على مستوى أقطار الفضاء المغاربي تحديدا يوجد العمل الجمعوي، ولكن هذه الصيغة قد بقيت أسيرة القطرية، وكثيرا ما تعيد إنتاج خطابات الدولة – الأمة التي تنتمي إليها، وهي في مجملها تتميز بأنها غير موحدة في مشاريعها أو تطبيقاتها الميدانية.

قبل الخوض في إبراز المشكلات التي تقف حجر عثرة أمام مطلب توحيد مؤسسات ومناهج ومشاريع العمل الجمعي في المنطقة المغاربية، أريد أن أقدم أولا فكرة أولية عن أشكال العمل الجمعي. في هذا الخصوص كتب الباحث الجزائري عمر دراس مقالا نشر له في العدد الثامن من مجلة «إنسانيات» الصادرة عن مركز البحث في الانتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية التابع لجامعة وهران قائلا: «يتفق المختصون في نظريات الحركات الاجتماعية على وجود نوعين من الحركات الاجتماعية عرفتهما المجتمعات ما بعد المصنعة، النوع الأول يخص الحركات الاجتماعية الكلاسيكية التي ارتبطت عموما بالعالم العمالي ونضالاته داخل الحركات النقابية احتجاجا على التجاوزات المفرطة للرأسمالية الصناعية، أما النوع الثاني فيتمثل في الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتميز بالأفعال الجماعية الاحتجاجية والتي تبدو خارج الفضاء الاقتصادي والانتاجي».

ويرى هذا الباحث أن «الظهور المتجدد للحركة الجمعوية في أوروبا على وجه الخصوص مفاده سد الفراغ الذي تركته الحركات النقابية والأزمة الحادة التي يعاني منها العالم العمالي وكذا التمثيل السياسي على حد سواء».

أما على مستوى كل قطر مغاربي على حدة فإن هذا الباحث يصف وضع العمل الجمعي في الفضاء المغاربي بأنه يشهد في العقدين الأخيرين «انفجارا للظاهرة لا نظير له»، ويعتبر أن هذا الانفجار قد تمَ تحت سيطرة الدولة القطرية.

القضية المطروحة للنقاش هنا هي حول مدى حرية الظاهرة الجمعوية واستقلالية المجتمع المدني عن وصاية الدولة القطرية في فضائنا المغاربي وعن الأسباب التي تحول دون اعتبار «هذه الظاهرة الجمعوية بمثابة فضاء مميز وإطار منظم لتطوير الثقافة الديمقراطية التي تمكن المجتمع المدني أن يبرز من خلالها تدريجيا كطرف مؤثر قادر على فرض أرائه ومقترحاته على السلطات العمومية في المجالات المختلفة التي تهمه وتعنيه».

إن المسألة التي تهمنا هنا تتمثل في ضرورة رفع الحواجز أمام المجتمع الجمعوي الشعبي، علـى مستوى الاتحاد المغاربي، وتفعيل المبـادرات التي يبادر بها المجتمـع المدني من أجــل تشكيل التنظيـمات والاتحادات والروابـط الجمـاعية في إطار موحـد. إنـه من الإيجـابي والاستراتيجي، مثلا، إنشاء اتحـاد للعمـال المغاربيـين، وآخـر للنساء المغـاربيات، وثـالث للـكتاب والأدبـاء، فضـلا عن الاتحادات المهنية والروابـط الثقافية والفنية الأخرى، مع فتح الأبـواب واسعة للتعاون والتحـاور والتكـامل، قصد إنجاز المهمات وتحقيق الأهداف المتمثلة في التحليل الأخير في نشـر وترشيد وتفعيل ثقافة الوحدة المغاربية، وتأسيـس أشكال العمـل الجمـاعي الــذي سيـؤدي رويـدا رويدا إلى بناء المشاريع المشتركة في جـو مــن الثـقـة التي هـي شـرط النجاح والإبـداع.

في الواقع فإن ترشيد وتجسيد وتفعيل العمل الجمعي الشعبي يمثل مظهرا من الشعور الجمعي المغاربي في طبعته الشعبية التلقائية وغير الرسمية من جهة، ويمثل البدايات الصحيحة لإعطاء المجتمع المدني حريته واستقلاليته ليتعلم الممارسة الديمقراطية والحوار البناء مع السلطة السياسية من جهة أخرى.

أعتقد أن إنشاء الجمعيات الشعبية المغاربية الموحدة والمستقلة أمر في غاية الأهمية والحيوية، حيث أن ذلك سيخلق إطارا منظما لبناء علاقات الوحدة في جميع المجالات، ويسمح بشكل إيجابي بالتدريب “المغاربي الشعبي» على أخذ زمام الأمور لصالح المنطقة المغاربية في بعدها الجماعي.

وفي هذا السياق يدعو الباحث رونيه جالسو الذي يمارس النشاط البحثي الفكري في المعهد الأوروبي- المغاربي بجامعة سان دوني-باريس8، إلى تحرير ظاهرة العمل الجمعوي في المنطقة المغاربية من ميرا ث الدولة – الأمة التي أفضى قيامها» إلى إضفاء طابع رسمي على الحياة الجمعوية. فالدولة تعمل على تطويق المجتمع حين تجعل المنظمات الاجتماعية مجرد وسائط لها.

إن هذا النقد للدولة القطرية، ولمحاولاتها المهيمنة على المجتمع المدني، هو ما يجب على الاتحـاد المغاربي أن يتـفاداه ويتجاوزه بعد إعادة الروح إليه وبعد إخراجه من غرفة الإنعاش التي طال وجوده فيهـا.

فالمطلوب من هذا الاتحاد شعبيا أن يـلعب الدور الأساسي والحيوي ليكون عامـلا مساعدا على تطوير العمل والاستراتيـجيات الفكرية والتربوية لغرس فكرة الوحـدة المغـاربية في الأجيـال الجديدة.

إن هذا الـدور المنشود يتمثـل في اعتقادنا في الانتقال من سياسات «دولنة» المجتمع ضمن الحدود الضيقة للدولة القطرية إلى «جمعنة» العمل المغاربي في إطار الحقائق التاريخية المشتركة لإنجاز الاتحاد المغاربي فعليا وإزالة الحدود المصطنعة التي ستعصف في حالة عدم تدارك الأخطاء والنقائص بمستقبل المواطنين والمواطنات التواقين إلى بناء صرح الدولة المغاربية الموحدة الكبرى.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر