الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

أكل الذئب الشرق

التاريخ يمضي بصورة أخرى، ولا يمكن ليّ عنقه حسبما تشاء مصالح القوى الإقليمية والدولية الناشئة بين حين وآخر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/08/01، العدد: 9635، ص(24)]

حالفني الحظ قبل أكثر من ثلاثين عاماً بأن كان أحد أساتذتي أزهرياً غير معمّم، أي أنه لم يتحوّل إلى شيخ، وكان سريع الغضب، كثيراً ما خرج عن طوره وارتفع صوته بالسباب والشتائم غير اللائق لا بالأزهر ولا بغيره، ولكنه مرّ بما مرّ به عميد الأدب العربي طه حسين من طرائق التدريس، فتعلّم وعلّمنا أن نحفظ ألفية ابن مالك في النحو، وهي ألف بيت في القواعد لا تخرج اللغة عنها قيد أنملة، ومعها علّمنا كيف درس الأوائل العلوم الكونية والوضعية وغيرها على طريقتهم، فكان يقول للتلميذ المشاغب: “يا ألعن من (حتى) في مواضع شتّى” ثم يسألنا: ” لماذا (حتى) لعينة عند العلماء”، لنفهم أن (حتى) يتغير إعرابها مراراً، فهي حرف غاية، وتعرب مرةً ناصبةً ومرةً جارةً ومرةً رافعةً، وتعرب حرف عطف، وحرف ابتداء، وحرف جر بمعنى (إلى) فتثير جنون الدارسين، ولذلك كان يشبه المشاغبين بها.

وكان يأمرنا بحفظ أبيات من الشعر لنفهم الكلمات الانكليزية، لتكون الدنيا هكذا:”القطُ كاتٌ والفأرُ راتٌ / والنهرُ يُدْعَى عندَهم رِيفَرُ/ والطبقُ دِشٌ والسمكُ فِشٌ / وأَبَدَاً عندهمُ نِيفَرُ/ الحمارُ دونكي والقردُ مونكي/ وسي ببحرٍ أو بمعنى ينظرُ”.

وكنت أتوقف عند كلمة “عندهم” تلك التي تشير إلى أولئك القادمين مما وراء البحار، وكأنهم مخلوقات أخرى، سَحَرهم الشرق وجمال الشرق، وتخيلوه كما يتخيّل الشهوانيون الآن جنان الخلد، جوارٍ وحوريات، وأنهار لبنٍ وعسل، فرأوا الشرق أرضاً بلا شعوب، وجاؤوا ليفتكوا بهذا البهاء المستقر، الذي عرف كيف يصنع معادلاته وعلاقاته، وعاش آلافاً من السنين دون أن يختل توازنه وحافظ على كل أثر وحجرٍ ونقش ولغة، ولم تندثر ثقافاته رغم صروف الدهر.

وإذ لم يكن ممكنا للشرق أن يستمر بيتاً مغلقاً على ذاته، فقد كان بديهياً أن يتوسّع أصحاب المشاريع الجديدة ككل الامبراطوريات، وكان لهذا ثمنٌ ندفعه اليوم، وبات على العرب أن يسمعوا بين الساعة والأخرى من يقول لهم “عودوا إلى صحرائكم” وأصبح من المألوف أن يقال للآشوريين “لا تنسوا نبوخذ نصّر وجريمته في السبي البابلي”، ولا ندري كيف كان ممكناً حصر المدنيات الجديدة التي ظهرت في بابل و الشام ودلمون ومكة خلف أسوار عالية.

والحق أن التاريخ يمضي بصورة أخرى، ولا يمكن ليّ عنقه حسبما تشاء مصالح القوى الإقليمية والدولية الناشئة بين حين وآخر، والموجات الحضارية تتمدّد وتنحسر وتتمدّد وفق منطق علمي لا شكّ فيه، وإن جادل فيه أكثر الضحايا ألماً وخسارة ونسبوه إلى القدر، بينما هو من فعل البشر و”بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس“.

هل أكل الذئب الشرق وتاريخه؟ لا أحد يدري، ولا أحد يعرف من هو ذاك الذئب، الذي صورته لنا شخصية الضحية المريضة من حولنا، وقد كتب الجاحظ مرةً عن رجلٍ اسمه أبو علقمة جاءه وقال له: “إن الذئب الذي أكل يوسف عليه السلام اسمه (رجحون)” فقال الجاحظ:” ولكن الذئب لم يأكل يوسف” فقال أبو علقمة: “إذاً هو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر