الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

ثقافة 'اذكريني دائما'

'اذكريني دائما'.. صخرة تنتظر في نهاية المسار المتعرج الطويل للبذور التي ألقيت للمثقفين السوريين على طريق الزمن الماضي والتي تبعوها كطيور مقصوصة الأجنحة بحنين جارف.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/08/04، العدد: 9638، ص(15)]

الألفة براعة المثقفين، وأداتهم الماكرة في التفاعل مع العالم، فتزيد أو تنقص كلما أرادوا القبض على الحياة أو إرخاء حبالها لتطير محلقة بعيدا عنهم، ولأنه ما زال ساحرا تطايرُ ورق الخريف على سكّة القطار في الربوة، ومسيرٌ طويل يوصل إلى إحدى نهايتين، عالم دمّر البلد الغافي، وصوت هدير المياه وتفاورها يخرج من كل بيت وحارة، أو أرض كيوان حيث تطل على ساحة الأمويين، وبينهما يستعيد الماشي وحيدا ذلك السقوط البطيء لعاشق عن صخرة “اذكريني دائما” التي احتفت بها الطبقة الثقافية التي عاشت سوريا السبعينات ومن لحق بها في المدار الإنساني تاليا.

ومع ابتعاد الناس اليوم عن تلك الإلفة التي أحاطت بهم، يظهر كم هو مؤلم أن يحتفي الشعب بصخرة انتحر من فوقها عاشق بعد أن كتب عليها رسالة لحبيبته، ويتحدثون عنها ويكتبون عنها دون أن يرفّ لهم جفن، ليبرز أكثر وأكثر معنى الانتحار الجماعي الذي اختاره الناس، بديلا عن الاحتجاج على تدمير الثقافة الحرة، فقرروا التأقلم مع الدمار، وتصويره على أنه هو الحياة الطبيعية، وكانت آخر الطلقات التي أعلنت الاحتجاج طلقات منتحرين بدورهم عاشوا على حافة الصورة ثم خرجوا منها، بالموت أو الانسحاب من المكان، إلى المنافي أو العزلة الاختيارية.

وبعد أن كانت دمشق ينبوع التحرّر في الكتابة، أخذت تنحسر شطآن حريتها تلك، وتتضاءل اللغة التوّاقة إلى الحياة، لتستبدل بلغة الحياة الواقعية، ويقتصر الفعل الإبداعي كما تم التنظير له على الفوتوغراف الأدبي، بدلا من الخيال الخلاق، وعمّت “ثقافة اذكريني دائما” ليصبح الأدب مقام المنتحرين ومسكنهم الدائم، ولتصبح كهوف الكآبة واللغة المنكسرة الخاسرة هي المآل النهائي لتلك الثقافة.

لا شيء يشبه قطارا بخاريا متمايلا يمرّ من جانب صخرة “اذكريني دائما” وسحابة الدخان المتصاعد منه تلامس الجروف الصخرية في فالق الربوة، قبل أن تتبدّد في الفراغ، كما يتبدّد الإنسان في لحظاته تلك التي امتدت حتى غدت شهورا وسنين وعقودا من الدخان ترسم من جديد مشاهد الصخرة ذاتها، كما لو أن القفزة وقعت ولم تقع، وكما لو أنها ما زالت تقع ولم يصل جسد العاشق بعدُ إلى الأرض.

“اذكريني دائما”.. صخرة تنتظر في نهاية المسار المتعرج الطويل للبذور التي ألقيت للمثقفين السوريين على طريق الزمن الماضي والتي تبعوها كطيور مقصوصة الأجنحة بحنين جارف لا يقبل الجدال.

كاتب من سوريا

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

:: اختيارات المحرر