الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

التأصيل

ما نحتاجه هو تطوير أشكال وعينا الثقافي والجمالي، وتفعيل دور الثقافة والأدب في حياتنا، وتأصيله راهنا بما يغني وجودنا بالقيم الجمالية والروحية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/08/07، العدد: 9641، ص(15)]

انشغل العديد من الدارسين والباحثين العرب في البحث عن نشأة الظواهر المسرحية والروائية في التراث العربي بهدف التأكيد على أصالة هذين الفنين عند العرب. اتخذ هؤلاء الباحثون من بعض الظواهر “المسرحية” مثلما أسموها، كمسرح خيال الظل والمقامات والسرديات التاريخية حجة على نشأة الظواهر السردية والمسرحية في تراثنا.

على هذه الأرضية حاول العديد من الروائيين العرب توظيف هذه الأشكال القديمة لكتابة رواية بملامح عربية الهوية. محاولة الروائي التونسي محمود المسعدي في “حدث أبوهريرة قال”، والروائي المصري جمال الغيطاني في “الزيني بركات” هما نموذجان على هذه المحاولات. فعدم نجاح هذه التجربة، وعدم تطورها يدل على أن أفق هذه التجربة كمقترح سردي محكوم بخصائصه؛ البنيوية والأسلوبية وفضائه اللغوي، المحدودة، التي لا يمكنها أن تشكل بديلا لتقنيات السرد الروائي الحديث.

على صعيد المسرح لم يكن الحال أفضل، ولا سيما أن المسرح العربي لم يستطع أولا تكوين جمهور عريض كما هو الحال في بلدان الغرب، فبقي نخبويا. أزمة النص المسرحي العربي كانت المشكلة الأكبر التي ظل يواجهها هذا المسرح . محاولات جادة بذلت لتطوير العلاقة بين المسرح الحديث وتلك الظواهر المسرحية، لكن المسرح ظل يفتقد للتقاليد وتطوير محاولات تأصيله عربيا.

انشغال الباحثين بالبرهنة على معرفة العرب للمسرح والرواية تعيدنا إلى علاقة العرب بالماضي، ورغبتهم في تمجيد هذا الماضي، تعويضا عما هم فيه اليوم. حضورنا في الثقافة العالمية لا تبدأ من هنا. أميركا التي هي بلا ماض حضاري ثقافتها اليوم تنافس ثقافات أوروبا العريقة، بل تشكل تحديا لها. القضية إذن الآن وفي ما يمكن أن نضيفه من إبداع بعد أن توطدت أشكال الكتابة السردية والمسرحية الحديثة في ثقافتنا. آن لنا أن نخرج من الاستعانة بالماضي لتأكيد أصالة ثقافتنا. هذا الجدل لا يضيف شيئا مهما، ولا يمنح الثقافة العربية قيمة خاصة، طالما أنها في واقعها الراهن ما زالت تواجه تحديات الحداثة والعصرنة في عالم مفتوح.

ما نحتاجه هو تطوير أشكال وعينا الثقافي والجمالي، وتفعيل دور الثقافة والأدب في حياتنا، وتأصيله راهنا بما يغني وجودنا بالقيم الجمالية والروحية. العودة دائما إلى الماضي في مواجهة التطور الذي وصلت إليه الثقافات الحديثة لا يلغي الفجوة بين ثقافتنا وثقافتهم، ولا يكسبنا حصانة تجاه التحديات التي تفرضها علينا قضايا الحياة الجديدة والحداثة والتطور. التأصيل يكون بمقترح قابل لاستيعاب التطور الحاصل في الآداب الإنسانية والتفاعل الإيجابي معها وإغناء منجزها بما يؤكد انتماءنا للعصر والحياة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر