الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

عربيٌ في دائرة اليزيدي

يعلق العربيٌ في دائرة كدائرة اليزيدي، لن يخرجها منها إلا الذي رسمها، ولكنها تبقى خطّا في الرمال، يستطيع كسره متى عرف هذا.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/08/08، العدد: 9642، ص(24)]

الشعوب تمكر لتعيش، وتدبّر شؤونها لتستمر، لاعتقادٍ عميق في أرواحها بأنها ستعود مجدداً، وقد يحدث هذا وقد لا يحدث، فربما صارت شعوب كثيرة مثل أمة الإغريق، أو ربما مثل الآشوريين، أثراً بعد عين وأطلالاً بعد مجتمع.

ومن مزايا ذلك الشعور، إحساس الشعوب بأنها يمكن لها أن تمرّر كثيراً من الأمور على بقية الأمم، دون أن تشعر هي بذلك، بذرائع مختلفة، منها جهل الآخرين بلغاتها على سبيل المثال، ومن القصص المتصلة بهذا أنه في عهد الملك الهاشمي غازي ملك العراق، كان الفنان التشكيلي حافظ الدروبي قد كلّف بترؤس وفد العراق في مهرجان الكشافة العالمي في برلين قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكان الحفل برعاية زعيم الرايخ الثالث أدولف هتلر، وفي بداية الفعاليات كان لابد لكل وفد أن يردّد النشيد الوطني لبلاده.

وهذا ما كان، إلا أن العراق وقتها لم يكن لديه نشيد وطني بعد، وكانت المراسم تقضي بأن يقترب وفد الكشافة من المنصة التي يجلس عليها هتلر ويحييه ثم يردد نشيد بلاده، فاحتار الوفد العراقي في المشكلة، ولكن الدروبي قال لهم :”محلولة”، ولما اقترب الوفد من المنصة رفع الفنان العراقي صوته بالغناء:” بلي يا بلبول” وهي أهزوجة شعبية رائعة خاصة بأطفال العراق من ذاك الزمن العتيق الجميل، فردّد خلفه أعضاء الوفد:” بلي” فقال: “ما شفت عصفور”، فقال الوفد: ” بلي”، فتابع الدروبي: “ينكر بالطاسة”، فقال الوفد :”بلي”.. فتابع الدروبي:” حليب وياسة” فردّد خلفه الجمهور كلّه :” بلي” وطبعاً حياهم هتلر والمدرجات بكل احترام، وطربوا للنشيد العراقي الذي لم يفهموا منه كلمة واحدة، فأنقذ الدروبي الموقف مستغلاً عدم فهم الألمان للغة العربية.

ذلك الدروبي الكبير كان قد ذهب يوماً لدراسة الفن في إيطاليا، في محترف الفنان كارلو سيفيرو، ولكن إيطاليا دخلت الحرب إلى جانب هتلر، فقرر الدروبي العودة إلى العراق لتأخذه دروبه عبر الموصل وسنجار وهناك يلتقي مع ساطع الحصري، الذي سيريه آثار العراق القديمة وهوياته العريقة الباقية وثقافات شعوب تلك المنطقة، التي كان من بينها “الإيزيديون” الذين يطاردهم اليوم التنظيم المخابراتي المتعصّب المسمى “داعش”، الإيزيدون الذين استعانوا على قلّتهم وزوال عديدهم بالمعاملات الطيبة، فكان مكرهم في أخلاقهم، وكان في أراضينا من زمن ليس ببعيد جيرانٌ وفلاحون منهم اشتهروا بالأمانة والصدق والاهتمام الشديد بالنظافة حتى أنهم كانوا يكنسون التراب حول شجيرات الكوسا والخيار، ويجمعون الفاسد من ثمارها ليراها مالك الأرض ويعرف أنهم لم يسرقوا شيئاً من أرضه.

كان اليزيدي أكثر الكرد تمسكاً بهويته رغم ودّه وحيويته، وكانت رسوم الملك طاووس تتناثر في كل مكان، فارداً ريشه الملوّن، بينما كان الصبية من الجهلة في طفولتنا يرسمون حول اليزيدي دائرة في التراب، ليبقى عالقاً فيها وهو حائر، فإيمانه يمنعه من الخروج من الدائرة حتى يمحوها الذي رسمها.

يعلق العربيٌ اليوم في دائرة كدائرة اليزيدي، لن يخرجها منها إلا الذي رسمها، ولكنها تبقى خطّا في الرمال، يستطيع كسره متى عرف هذا، فهل من نشيد وطني جامع يعيد لتلك الشعوب مظلتها بعد أن لاذت طويلا ببعضها البعض.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر