الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

عودة الأميركان إلى العراق: هل من حل إنقاذي

إذا أراد الأميركان مراجعة سياساتهم التي أدت إلى هذه الفوضى، فعليهم الدخول في مفاوضات مع قوى الحراك الشعبي وثوار العشائر، وتجاوز جميع موجات الثأر والشحن الطائفيين.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/08/11، العدد: 9645، ص(9)]

قرار الرئيس الأميركي بتوجيه ضربات جوية لمواقع “داعش” التي تمددت بشكل مثير على مشارف مراكز إقليم كردستان، وهي ضربات ستغير دون شك موازين القوى هناك، يعطي إجابات مغايرة لبعض التكهنات السياسية التي شاعت بعد انسحاب الأميركان من العراق عام 2011 من أنهم لن يعودوا عسكريا إلى هذا البلد.

بل إن نوري المالكي طلب مرات عديدة مساعدة واشنطن له بتزويده بالأسلحة النوعية التي تعينه في التغلب على الحراك الشعبي في الأنبار عام 2013 و2014 تحت شعار “محاربة داعش”، إلا أن الكونغرس الأميركي رفض ذلك، وأبلغ البيت الأبيض ذلك شخصيا للمالكي خلال زيارته الفاشلة للعاصمة الأميركية بداية العام الحالي. وكانت تبليغاتهم المعلنة إليه تطالبه بتعديلات سياسية جوهرية وتخفيف تطرفه ضد “العرب السنة” وإشراك ممثليهم السياسيين في الحكم، وتم إبلاغه بذلك بواسطة وزير الخارجية جون كيري خلال زيارته لبغداد قبل أربعة أسابيع. قرار الرئيس الأميركي بالتدخل العسكري شمال العراق لم يأت استجابة للدواعي الإنسانية لما واجهه المواطنون العراقيون من الإيزيديين والمسيحيين على يد العصابات الإجرامية لداعش، وإنما استجابة لنداء تهديد المصالح الأميركية في حقول كركوك التي أعلنت داعش بأنها ستدخلها وهي عقدة مهمة من عقد النفط العالمي، فداعش التي دخلت الموصل وتكريت وديالى ووصلت إلى أطراف بغداد قبل شهر ونصف لم تثر في نفس أوباما ذلك الشعور بالخطر.

لاشك أن الأميركان يحتفظون للأكراد بمكانة خاصة لديهم، فقد ساعدوهم على تجريد نظام صدام حسين من عناصر قوته الداخلية بعد عام 1991، وعلى التحضير للانقضاض عليه عام 2003، بل إن معظم الأسلحة التي تمتلكها القوات الكردية هي مما غنمته من ممتلكات جيش الدولة العراقية السابقة، ومع ذلك اشتكى الأكراد في الأيام الأخيرة من عدم موافقة واشنطن على تزويدهم بالسلاح أو تسهيل مشروع بيعهم للنفط العراقي بمعزل عن حكومة المالكي، لكن أوساط أميركية مهمة تتحفظ على دعوات رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بالانفصال وتشكيل دولة مستقلة، لأن ذلك يخلط أوراق القوى الإقليمية (إيران وتركيا) ويعرقل توجهات كل من واشنطن وطهران في ترتيبات توزيع المصالح.

لكن التطور الخطير في اقتحام داعش حقول النفط فاجأ الجميع، ودق أجراس الخطر، وأصبحت السيناريوهات الهادئة التي تحضرها واشنطن في الملف العراقي بتشكيل حكومة جديدة، تضم حسب وجهة نظرها تمثيلا أكبر للعرب السنة، لا يشكل حلا للانهيار الجديد. لقد أعلن سفير أميركا الأسبق، خليل زادة، بأنهم، أي الأميركان، يحاولون التأقلم مع الحقائق الجديدة على أرض الواقع، وتبني استراتيجية مؤلفة من شقين: الأول الاستمرار في دعم قادة العراق بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وفي الوقت نفسه الاستعداد لفشل هذه المساعي وانفصال الأكراد، وأفضل السيناريوهات من وجهة نظره هو ظهور “عراق لا مركزي يعتمد نظاما فدراليا في المناطق العربية ترتبط مع الأكراد بعلاقة كنفدرالية”. أما البديل حسب رأيه فهو الحرب الأهلية.

إن التطورات الجديدة خلقت واقعا جديدا لا يقتصر على ظهور”داعش” كمنازع من الصعب عراقيا وإقليميا ودوليا الاستسلام لرغباته وشروطه، وهذا الواقع هو تحول قوى الحراك الشعبي في المناطق العربية السنية الست إلى قوى مسلحة أطلقت على نفسها “ثوار العشائر” وأصبح لها عنوان سياسي واضح يعرف الأميركان مضامينه وأهدافه منذ كانت قواتهم في العراق بين 2003 و2011، كما تعرفه قوى الإسلام السياسي الشيعي الحاكم، وذلك هو الجزء المهم من الأزمة السياسية التي ساعدت “داعش” على دخول العراق، وتحولها إلى أسطورة تستدعي القوات الأميركية مجددا للعراق.

فالحل العسكري الأميركي بواسطة الضربات الجوية لن يقضي على داعش رغم فرح الأكراد بهذا التطور ورضى الحكومة المركزية، لأن الأميركان ينفذون مثل هذا السيناريو تجاه طالبان منذ إثنتي عشرة سنة في أفغانستان، وفي النهاية هم اليوم يتفاوضون مع قادة طالبان سياسيا، كما أن الإدارة الأميركية وجدت نفسها مجبرة على العودة إلى الاهتمام بالعراق، ومواجهة استحقاقاته الجديدة بمسؤولية تتناسب والمخاطر الجدية فيه وفي مقدمتها انقسامه إلى ثلاثة كيانات تتمثل في “دولة داعش السنية” طالبان العراق، ودولة “داعش الشيعية”، ودولة كردستان.

المطلوب حل سياسي إنقاذي، وهذا لن تقدمه حكومة جديدة طائفية بالمالكي أو بغيره، فهؤلاء السياسيون غير قادرين على مواجهة مسؤولية وطنية بهذا الحجم، إذا أراد الأميركان أن يراجعوا سياساتهم التي أدت إلى هذه الفوضى، فعليهم الدخول بمشروع إنقاذي بمساعدة عقلاء العراق، والدخول في مفاوضات مع الرقم العراقي الجديد الذي تمثله قوى الحراك الشعبي وثوار العشائر، وتجاوز جميع موجات الثأر والشحن الطائفيين، والتعامل معهم كقوى وطنية مخلصة لهذا البلد وهي وحدها ستهزم “داعش” وأخواتها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر