الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

رجوع الشيخ يسين: احترس مصر تحكمها مقبرة

ثورة يناير 2011 كانت معضلة مربكة لمن يريد استيعابها من خارج سياقها، فما جرى في ميادين التحرير في عموم مصر غير مسبوق، خارج المعيار الجاهز للثورات، ينسف الإطار الثوري.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/08/12، العدد: 9646، ص(8)]

النابهون وحدهم يجيدون اختيار لحظة الاعتزال، وهم في قمة العطاء. ولا يملك الجمهور الذي يهتف ببقائهم إلا الاحتفاظ بهذه الصورة. في المقابل يصرّ على البقاء من تطاول عليهم العمر، وهم عاجزون عن التواصل مع لغة جديدة لجيل جديد، لا يتمنى لهم إلا الرحمة.

اختار يحيى حقي والطيب صالح توقيتا ذكيا لاعتزال الكتابة الإبداعية، وإن ظلا يكتبان المقالات. كل ثورة أو مرحلة تختار ممثليها، وترفض وصاية جيل أصابته الشيخوخة، ففي 1952 كان اللواء محمد نجيب (51 عاما) يمثل جيل الكبار، السابقين، ولم يدرك هذه الحقيقة في بداية خلافه مع شباب الضباط الذين قاموا بالثورة، وتسللوا عبر واجهة نجيب إلى الشعب.

في مارس 2010، غادر مدير مركز الأهرام الأسبق السيد يسين مصر إلى الكويت، لكي يعلن أمرا مهما توصل إليه. كانت المناسبة ندوة «الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال الحديثة» التي نظمتها مجلة (العربي). يسين (77 عاما آنذاك) قدم ورقة عنوانها «النقد الثقافي العربي في الفضاء المعلوماتي».

ربما لم ينطلق يسين، في وجهة نظره، من التحامل على جيل المدونين، وإنما من افتقاد التواصل معهم، وعدم القدرة على التفاعل مع خطابهم، وهذا مصدر جرأة الشيخ العجوز في القول: «حركة التدوين العربية -ومصر نموذجا لها- زاخرة بتحليلات سياسية سطحية، ومشغولة بدعوات غير مدروسة للقيام بإضرابات ومظاهرات، بل إن بعضها يدعو للقيام بثورة -هكذا بكل خفة وبساطة- من دون أن يعرف هؤلاء المدونون المتحمسون على غير أساس، الفروق الدقيقة بين الإضرابات والمظاهرات والعصيان المدني والثورة، خلط شديد عكس ضحالة في الثقافة السياسية، ونقصا في التكوين النظري، ومزاجا فوضويا في الوقت نفسه». ولم ينس القول إن رياح التكنولوجيا والإنترنت أثمرت «فوضى تفتقر إلى الرؤية». لم يذكر الشيخ أي رؤية؟ رؤيته التي تنتمي إلى جيل يجب أن يعتزل؟ أم رؤيتهم لمستقبل الوطن، وطبائع التغيير وأدواته؟

في صيف 2010 جلس الشيخ نفسه، مع «مثقفين» وموظفين، في اجتماع ترأسه جمال مبارك، الرئيس الفعلي لا الدستوري، لمناقشة مستقبل الثقافة في مصر. وفي 30 سبتمبر 2010، حضر الشيخ نفسه لقاء مبارك الكبير، الرئيس الشكلي الدستوري، وبعد لقاء الخريف في القصر الجمهوري، كتب يسين مقالا في الأهرام بعنوان «لقاء ثقافي فريد». ثلاثة أشهر أرهقت شيخوخة الرجل، لا هو قادر على ضبط إيقاعه مع مبارك الصغير، ولا يعرف مصير نظام مبارك الكبير.

ثم اندلعت الثورة في 25 يناير 2011، وكانت معضلة مربكة لمن يريد استيعابها من خارج سياقها، فما يجري في ميادين التحرير في عموم مصر غير مسبوق، خارج المعيار الجاهز للثورات، ينسف الإطار الثوري. فوصف يسين ما يحدث بأنه «هبّة» (الأهرام 3 فبراير 2011)، وظلت صيحات الرفض لبقاء نظام مبارك تصل أصداؤها إلى مكتبه في الأهرام، فكتب في الأهرام بعد أسبوع، 10 فبراير، عن: «مظاهرات حاشدة».

ولعل الشيخ بحكم تقدم العمر أصابته «كرشة نَفَس»، هو يلملم جلبابه بسرعة، لكي لا يعوقه عن اللحاق بالقطار، بعد خلع مبارك، فكتب في (الأهرام المسائي) في 14 مايو 2011 أن الثورة «قامت لتقضي نهائيا على نظرية التحول الديمقراطي، وتثبت أنه لم يكن هناك حلّ إلا بالثورة الشاملة!». علامة التعجب ليست لي، وإنما كتبها الشيخ يسين الذي سيقول، في إحدى حلقات مسلسل تنبؤاته بالثورة بعد 120 يوما: «يمكن القول بيقين إن ثورة 25 يناير كانت لها إرهاصات في الفكر العالمي منذ بداية التسعينات». («الأهرام» 26 مايو 2011). ثم أعلن إيمانه بالثورة، كمن يؤمن بالله عصر يوم القيامة، وكتب مبتهجا: «ها هي ثورة 25 يناير أشرقت شمسها وبسطت ضياءها على الكون». (الأهرام 30 يونيو 2011). ولا يمكن الثقة بجملته الأخيرة، ولا فهمها إلا في ضوء نظرته إلى نفسه كمفكر كوني، يقول للثورة: «كوني» فتكون!

ربما يسألني الشيخ (81 عاما الآن): ما مناسبة هذا الكلام، وأنت صاحب مقولة: «الثورات يذهبن السيئات»؟

أقول وبالله التوفيق: إنني أخشى نبوءة جمال حمدان، حين سجل في مذكرات نشرت عام 2010، أن مصر مرشحة، في ظل خيارها، ليس بين السيىء والأسوأ، بل بين الأسوأ والأكثر سوءا، «لتتحول في النهاية من مكان، سكن على مستوى وطن، إلى مقبرة بحجم الدولة».

أقول أيضا، وبالله التوفيق، إن الأخطر، والأكثر تشاؤما من كلام جمال حمدان، أن تشيخ مصر وتحكمها مقبرة.

ففي ظل حكومة استوْزَرَتْ أشخاصا ينتمون إلى عهد مبارك، زمنا وأيديولوجيا، ومنهم وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور الذي نقل على لسانه أنه كلف الأستاذ السيد يسين بوضع استراتيجية لمستقبل الثقافة في مصر. عصفور نفى، وقال: إذا كان يسين أو غير يسين سيضع استراتيجية للثقافة، فماذا أفعل أنا؟

صمت يسين، ثم كتب في الأهرام هذا الأسبوع، (9 أغسطس 2014)، على صفحتين متقابلتين تعلو أولاهما صورته واسمه: «السيد يسين يكتب: ورقة عمل مقترحة للسياسة الثقافية لمصر». سجل أن الوزير كلفه «بإعداد ورقة عن رؤية لسياسة ثقافية مقترحة»، وأن الوزير قرر تشكيل لجنة لمناقشة الورقة بعد الانتهاء من صياغتها.

لا اعتراض على جيل سابق، ولا يعيب المسنّين أنهم مسنون. نعلم كيف اعتذر أحمد لطفي السيد «أستاذ الجيل» عن تولي رئاسة الجمهورية، قبل أن يصير جمال عبد الناصر زعيما، ربما في نهاية 1954 أو بداية 1955. لم يكابر لطفي السيد، لأنه كبير القامة، واعترف بأنه وجه من الماضي، ولا يحتمل خوض تجربة تناسب مجتمعا ينهض.

في مقال سابق، في هذا المكان، قلت إن إحجام الشعب، وخصوصا الشباب، في انتخابات الرئاسة «تحذير مبكر للسيسي… الشعب المعلم لا يقبل مستبدا، ولو كان عادلا»، والاستبداد لا يعني الدكتاتورية بالضرورة، وإنما الجمود. وقلت في مقال آخر إن الدكتور عصفور «لا يمثل الحرية والثورة ولا المستقبل». فماذا أقول عن السيد يسين؟

من فضلك، أعد قراءة المقال.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر