الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

موت المؤلف

الكاتب في النظرية البنيوية مجرد وسيط بين اللغة والنص، لأن الكتابة هي التي تملي عليه نصها، الذي يتشكل وفق دينامياتها الداخلية الخاصة بها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/08/14، العدد: 9648، ص(15)]

شكلت البنيوية المرحلة الثانية من تاريخ الحركة النقدية في العالم، وهي المرحلة التي تم فيها الانتقال من الاهتمام بالكاتب، باعتباره محور العملية الإبداعية، إلى النص الذي رأت فيه بنية مغلقة، مكتفية بذاتها، ولا تحيل على أية مرجعية تقع خارجه. هذا الموقف النقدي عند منظري البنيوية تطور عند رولان بارت، ليصبح دعوة إلى موت المؤلف، في محاولة لاستبعاد أي حضور له عند دراسة النص.

مع هذا الموقف تحول النص إلى سلعة، يتم تداولها على أساس قيمتها الخاصة، دون أي اهتمام بمصدرها. عدد من النقاد الأميركيين طالبوا أيضا بالفصل بين شخصية المؤلف، ونصه، لأنه لا يجب أن يطلب من الكاتب التطابق بين مواقفه وسلوكه، وما يطرحه من قيم ومواقف في أعماله.

هذا التمايز أو الفصل بين الأدب وسلوك منتجه، حرّره من أية مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، وتجاه نصه، وخلق حالة من الانفصام بين ما يقوله أو يطرحه من قيم جمالية وفكرية، وما يمارسه في الحياة من سلوك. الحديث عن دور الكاتب هنا بات محصورا في ما يكتبه، لا في ما يفعله، أو يمارسه في حياته. العمل الأدبي هنا تحول إلى سلعة أيضا.

لا شك أن مفهوم الالتزام، الذي دعا إليه جان بول سارتر والماركسية، وما نجم عنه من قولبة للأدب قد انعكس سلبا على واقع الأدب. لكن ذلك لا يبرر بأيّ حال هذا الفصل التام بين النص ومنتجه، وبالتالي تحرير الكاتب من أية مسؤولية أخلاقية تجاه ما يكتبه، أو يدعو إليه من أفكار وقيم ومثل عليا في الحياة.

الكاتب في النظرية البنيوية مجرد وسيط بين اللغة والنص، لأن الكتابة هي التي تملي عليه نصها، الذي يتشكل وفق دينامياتها الداخلية الخاصة بها، في حين تعترف الدعوة الأخرى بالمؤلف، لكنها لا تطالبه بأيّ التزام أدبي تجاه ما يكتبه في حياته.

دلالات هذه التحولات الخاصة بموقع المؤلف والرؤية إليه لا يمكن الوقوف عليها إلا في إطار سياقها الثقافي والاقتصادي، في مجتمع جرى فيه تسليع كل شيء، وسيطرت عليه قيم الاستهلاك. هذه السيرورة هي التي أفرزت منظومة قيمها وفلسفاتها الخاصة. في مجتمعنا لا يمكن أخذ ادّعاءات البعض في حواراته عن تجربته بأن الشعر هو الذي يكتبه، إلا من قبيل التقليد. الشاعر العربي وليد سياق ثقافي مختلف، وابن واقع تاريخي وسياسي وحضاري، محكوم بالاستبداد والظلم والفساد، تجعله محكوما بالانحياز إلى قيم الحرية والعدالة والتقدم والجمال.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر