الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

من أجل كاترين

صديقي المنتحر الحي سافر إلى حبيبته، ليصبح من أشهر مطربي أوروبا اليوم، نجما عالميا يعيش مع كاترين بلا أي مشاكل.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/08/15، العدد: 9649، ص(24)]

انتحر روبن ويليامز، الممثل الأميركي العملاق، والأكثر جرأة على أداء كل الأدوار الكوميدية منها والمأساوية والخيالية، وضع حدا لحياته وهو في ذروة مجده وشهرته، ولا يهم من حسم تلك العقود الستة يد الدهر أم يد ويليامز، وانتحر قبله بأربع سنين شاب تونسي في سيدي بوزيد فترحّمت عليه الملايين، بمن فيهم رجال الدين واعتبروه شهيدا وقامت قيامة العرب بسببه ولم تقعد حتى الآن.

وجاء قبل عقود أحد الطلبة العرب ليدرس في دمشق، وكان يرسل إلى أبيه الرسائل تلو الرسائل: “إن لم تبعث لي بالمزيد من المال سألقي نفسي في نهر بردى” فينفطر كبد الوالد هلعا على ابنه، ويرضخ لطلباته، وبعد سنوات جاء الوالد لزيارة ابنه ليكتشف أن بردى قد أصبح نهرا بعمق نصف متر، وأن ولده كان يخدعه، بينما ظنّ هو أن هذا النهر الصغير مثل الفرات أو النيل.

وعلى تلك الضفاف من بردى، في بيتي أيام الجامعة، حلّ ضيفٌ موسيقيٌ من خريجي أرفع المعاهد في الغناء المنفرد (الصولو) طلب أن يقضي يومين ريثما تتحسن حالته النفسية بعد أن غادرت صديقته المستشرقة دمشق، ولكن اليومين امتدا ليصبحا شهورا، كان المغنّي حساسا رقيقا مهذبا نهارا، مجنونا متقلبا عكر المزاج ليلا، لم يلبث أن علّق صورة “كاترين” في صدر البيت، وبدأت الليالي الغرائبية، فحين يكون منتشيا بذكريات حبّه، يغني”عيشانه علي” الأغنية الكردية العتيقة متدفقا مع شلالات أوتار البزق الذي يتقن العزف عليه ببراعة، أو يغني”كل دا كان ليه” لعبدالوهاب.

وحين يريد أن يشعرني أنه متماسك يغني أغنية جاك بريل “لا تتركيني” بفرنسية مخلصة لكاترين، ثم لا يلبث أن يبدأ بالغناء المأساوي، ليصل في آخر الليل إلى مسلسل محاولاته الانتحارية، بعد أن يشتدّ به الشوق إلى كاترين، فيلقي بنفسه من النافذة مقررا وضع حد لحياته، ولكن من حسن حظي وحظه أن البيت في الطابق الأرضي وارتفاع النافذة متر ونصف المتر عن سطح الأرض، وكنت أقوم بطمأنته بأنه لا توجد مشكلة وأن كاترين تنتظره في جنيف.

ولكنه بعد أيام يتسلسل باحثا عن أكثر حافلات النقل الجماعي اهتراء والتي يبرز حديدها الصدئ ليلقي بنفسه أمامها وهي واقفة، ولكن الله يلطف ويتمكن السائق من تفاديه، فيعود إلى البيت ببعض الجروح الطفيفة، أو يشرب كل أنواع المنظفات والمواد الكيماوية الموجودة في البيت وينام بعد أن يترك لي ورقة بأن آخذه إلى المستشفى لإجراء غسيل للمعدة، وأحيانا كان يصوم عن الطعام ويخبرني أنه يريد الموت جوعا إخلاصا لكاترين، ولكنني كنت أراقب الثلاجة وأرى أنه يهرّب بعض أفخاذ الدجاج المقلية والحلويات إلى سريره ليلا.

صديقي المنتحر الحي سافر إلى حبيبته، ليصبح من أشهر مطربي أوروبا اليوم، نجما عالميا يعيش مع كاترين بلا أي مشاكل، بعد أن دفعت مجانا ثمنا غاليا من أعصابي ومشاعري خوفا عليه، لأني صدّقت رغبته الجامحة في الانتحار حتى كرهت كاترين والساعة التي سمعت فيها باسمها.

من يضمن أن العالم الآخر أفضل من عالمنا هذا بهمومه ومشاكله؟ أظن أن المنتحرين قد أدركوا أنهم خدعوا وانزلقت أقدامهم عن دنيانا هنا على الأرض.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر