الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

ثقافة الدولة الأمنية

كتاب يصلحون لكتابة العرائض أمام إحدى دوائر الدولة، تحولوا إلى كتاب وأعضاء في لجان اتحاد الكتاب العرب، لكي تفوز قائمة السلطة في انتخابات الاتحاد بأغلبية ساحقة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/08/16، العدد: 9650، ص(16)]

في الدولة الأمنية العربية، وسوريا في طليعتها، جرت طوال سنوات طويلة عملية منظمة لإفساد الثقافة وتهميشها من خلال إلحاقها بالسلطة في البداية، وبعد هيمنة أجهزة الأمن على مؤسسات الدولة، تم إخضاع الثقافة لها على غرار باقي قطاعات الدولة والمجتمع، فهي التي كانت تعيّن مدراء الإدارات في مؤسسات الثقافة المختلفة، ورؤساء الأقسام وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات، بل كان الدخول إلى الحرم الجامعي يخضع لرقابة المفارز الأمنية هناك على بواباتها. لم تعد الكفاءة والخبرة العلمية معيارا لنيل شهادة الدكتوراة في جامعاتنا العتيدة، يكفي أن تكون من رعايا الأجهزة الأمنية حتى تيسّر لك كل السبل للحصول عليها.

هذا الوضع جعل رئيس أحد أقسام جامعة دمشق قبل سنوات يقول لنا مازحا: إن الأستاذ الجامعي كان في السابق لا يتحدث في السياسة خوفا، من أن يقوم أحد الطلاب المخبرين بكتابة تقرير عنه، أما الآن فقد أصبح الطالب يخاف من الحديث في السياسة، خوفا من أن يقوم الأستاذ بكتابة تقرير عن الطالب.

هذه ليست نكتة وإن بدت كذلك، هي تجسيد مأساوي لما آلت إليه أحوال الثقافة والعلم في جمهوريات الرعب. الحصول على الشهادة لم يعد مقياسا للعمل، لأنه يمكن بمعية هذه الأجهزة أن تحصل عليها. قبل أكثر من عقد اكتشفت رئاسة جامعة دمشق أن ثلاث رسائل جامعية نال عليها أصحابها شهادة الدكتوراة، هي رسائل تمت سرقتها بالكامل. ماذا حصل: طوي الموضوع، وبقي أصحابها يواصلون نشر رسالة العلم والمعرفة في جامعاتنا.

هذا الواقع جزء من حالة عامة، وتمثيل لها. لذلك لا تستغرب أن تجد موظف استعلامات في جريدة ما قد تحوّل بعد فترة من الزمن إلى صحفي، أو رئيس قسم فيها.

مسؤول في إحدى دوائر النشر الرسمية، كان مكلفا بقراءة مخطوطات أدباء وكتاب، وتقييم قيمتها الأدبية لكي تتمّ الموافقة على نشرها، كان يخطئ في كتابة الإملاء، ممّا دفع برئيس الدائرة أن يستنجد بوزيرة الثقافة لتخليصه من هذه الفضيحة، ونقله إلى جهة أخرى لا علاقة لها بقراءة المخطوطات.

كتاب يصلحون لكتابة العرائض أمام إحدى دوائر الدولة، تحولوا إلى كتاب وأعضاء في لجان اتحاد الكتاب العرب، لكي تفوز قائمة السلطة في انتخابات الاتحاد بأغلبية ساحقة على الطريقة الديمقراطية النزيهة.

هذا القليل مما يحصل في مؤسسات الثقافة والعلم، فكيف يمكن للثقافة أو العلم أن يتقدم، أو أن تكون هناك حياة ثقافية قبل كل شيء؟ المثقفون الصامتون الآن، صمتهم يكرس هذا الواقع.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر