السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

رحيل سميح القاسم منحني القامة

ماذا فعل سميح القاسم في الداخل، كان يقاوم، ويكتب عن الجيوش العربية الآتية، 'تقدموا' ويكتب عن المنتفضين، ويكتب عن الشهداء.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/08/21، العدد: 9655، ص(15)]

انعطافة لا شك، كانت تلك السنوات الأربع الماضية، التي ثارت فيها الشعوب على أحوالها وحاكميها، وعلى مفاهيمها بالتأكيد، بعد رسوخ طويل، ثبتت معه قيم وأخلاقيات وممارسات، عاشت وصمدت في وعي العرب دون أن يزحزحها نقد أو مراجعة، وكان أكبر حماة تلك المفاهيم الاستبداد نفسه الذي اعتاش على تلك المفاهيم وتمترس خلفها وحصّن نفسها بشخوصها.

المقاومة، التي نبعت أصلا من بين يدي شعراء وكتاب عاشوا داخل الأرض العربية المحتلة في فلسطين، خلف ما عرف بالخط الأخضر، أي باختصار في إسرائيل، دون التوقف عند حقول ألغام القومجيين الوظيفيين، من هؤلاء كان سميح القاسم الذي رحل قبل أيام، بعد سيرة طويلة، بدأها مع توفيق زياد ومحمود درويش وفدوى طوقان، ليمضي كل منهم في مسار، هو طريق الوعي العربي المتعرج الذي مضت فيها الشعوب بدورها، فلم يطق درويش الحياة في إسرائيل التي خرج منها بجواز سفر صادر عنها، لتتلقفه المدن العربية والثقافة العربية وليصنع من اغترابه ذاك أسطورة اختلط فيها الشخصي بالوطني بالقومي بالإنساني، بينما بقي سميح القاسم لائذا بعضوية الحزب الشيوعي الإسرائيلي داخل فلسطين ـ إسرائيل، متمسكا بالمتر المربّع الذي بدأ منه، وهو أنه يكتب من الداخل، وليس مثل قرينه درويش الذي تحرّر من ضغط الاحتلال وسجونه.

ولكن ماذا فعل سميح القاسم في الداخل، كان يقاوم، ويكتب عن الجيوش العربية الآتية، "تقدموا" ويكتب عن المنتفضين، ويكتب عن الشهداء، وعن القامة المنتصبة التي مثّلها بقاؤه في الأرض المحتلة، "مرفوع الهامة" مشى في أرض فلسطين، حتى جاءت لحظة الحقيقة، حين اختلط على المقاوم الفلسطيني الأمر، ما بين الإسرائيليين والمستبدين، فاختار الخيار الثاني دون تردّد، وانهارت هامته المرفوعة أمام حافظ الأسد بعد أن دعاه إلى دمشق للقائه، ليشرح له موقفه من مجزرة "تل الزعتر" التي وقعت في لبنان ضد مخيم فلسطيني للمدنيين في 12 أغسطس من العام 1976، ولتنشأ بين الاثنين كما قال صداقة جميلة، بعد أن غفر للأسد حصار تل الزعتر ودفع الفلسطينيين إلى أكل جثث الموتى من شدة الجوع، والانقضاض عليهم وقتل أكثر من ثلاثة آلاف رجل وطفل وامرأة قضوا تحت 55 ألف قذيفة انهالت على المخيم.

هاجم محمود درويش القتلة المسؤولين عن مجزرة تل الزعتر، بينما انخرط سميح القاسم في علاقة وطيدة معهم، تطورت إلى زيارات متكررة إلى دمشق، والقصيدة الهزيلة المتهاكلة التي قالها في رثاء الأسد الأب، والتبشير بابنه بشار وريث الحكم.

ترك سميح القاسم محمود دوريش وحده بدءا من تلك اللحظة، و لم ينس درويش هذا بل ثبته في قصيدته عن تل الزعتر رغم صبره على صاحبه: "ليدين من حجر وزعتر، هذا النشيد، لأحمد المنسيّ بين فراشتين، مضت الغيوم وشردتني، ورمت معاطفها الجبال وخبأتني، نازلا من نحلة الجرح القديم، إلى تفاصيل البلاد، وكانت السنة انفصال البحر عن مدن الرماد، وكنت وحدي، ثم وحدي".

أما سميح القاسم فانكفأ مع المفاهيم القديمة، التي جعلت من المقاومة متحفا ثابتا يتسلى به الطغاة والمرتزقة الذين يحجّون إلى عواصمهم قال في رثاء حافظ الأسد: "أسدُ العروبةِ قيل " مُتَّ " وإننا موتى نُصدّقُ موتنا ونحيلُ/ هلْ مُتَّ والراياتُ يرسمُ ظلّها

وطناً وشعباً والحياةُ فصولُ/ فالموتُ أهونُ ما يكونُ على الفتى مِن دونهِ الإذلالُ والإرغامُ/ ما الموتُ والأشبالُ بعثٌ ناشرٌ بعثاً يصولُ على المدى ويجولُ".

لم يعترض سميح القاسم على كل المجازر التي تعرض لها السوريون، وحتى فلسطينيو سوريا، وسكّان مخيمات اليرموك وفلسطين ودرعا وحمص، حين أعاد الابن تطبيق الإبادة ذاتها التي مارسها الأب بلا رحمة لا من القاتل ولا من الشاعر سميح القاسم، وقد قيل قديما " لا تجوز على الميت إلا الرحمة" ولكن قيل أيضا: "من لا يَرحم لا يُرحم".

كاتب سوري

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر