السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

الموضة تهزم الذكورة

ما زالت إلى اليوم التيارات المتشددة تتحكم في عقول المجتمعات تحت مسمى المصلحة العامة وباسم الدين، وتسوقها كالقطيع إلى قرون الظلام.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2014/08/22، العدد: 9656، ص(21)]

يسعى صناع الموضة في الدول الغربية إلى محاولة كسر الثنائية المتكونة من المذكر والمؤنث، من خلال تركيزهم على أزياء الجنس الموحد. وقد يبدو هذا التوجه مستهجنا لدى الكثير من المتعصبين لجنسهم الذكوري الذين ينظرون إلى السروال على أنه رمز الرجولة، ولا تروق لهم فكرة أن ينتهي بهم الحال إلى ارتداء التنانير ذات الألوان الزاهية التي لا تليق بفحولتهم.

وحتى لا يغضب أصحاب القوامة المزعومة نزف إليهم خبرا مفاده أن أن ارتداء الرجال للتنانير ليس بالأمر الجديد ولا الغريب، فالتاريخ يشهد أنها كانت اللباس الرسمي للذكور عبر مختلف الحضارات من السومرية إلى الحضارة اليونانية، بينما يتفاخر الرجال الاسكتلنديون إلى اليوم بارتداء التنانير الصوفية.

ولكن المجتمعات الذكورية تنظر إلى الرجل الذي يرتدي التنورة على أنه مخنث، وتصف المرأة التي تلبس ربطة عنق وبدلة بالمسترجلة، وتكيل الاتهامات والشتائم لصناع الموضة وتنعتهم بالمثليين وتسمي أعمالهم “بدعا”، ولا يعجبها العجب العجاب في زمن أصبح فيه الإبداع كفرا والاختراعات آثاما.

في الحقيقة أغلب هذه الشعوب التي ما زالت تتمسك بالقشور، وتهتم بالمظهر وتهمل الجوهر، تغافلت عن هدف أسمى بكثير، وهو أن من بين هؤلاء المصممين يوجد الكثير من المبدعين الحقيقيين الذين تحمل أعمالهم رسائل ومضامين سامية، ولا يشغل بالهم فقط صدر المرأة الجذاب ووركها الغض، وكتفي الرجل القويين وعضلاته المفتولة، وإنما تجاوزوا حدود الزمان والمكان، وتحدوا العقول المتجمدة والأفكار المتعصبة، وفتحوا حوارا لا يعترف بالتمييز العرقي ولا الجنسي، بل يساوي بين الرجل والمرأة ويحقق الوحدة التي عجزت عن تحقيقها الأنظمة والقوانين.

وحلمهم بالمساواة بين الجنسين تتوق إليه أفئدة الرجال والنساء في مختلف أصقاع العالم، ولكن الجماعات المتطرفة أرادت منذ عهود مضت كبح جماح نصف المجتمع، وتحويل المرأة المليئة بالأحلام والطموحات إلى مخلوق جميل غايته فقط تلبية الشهوات الجنسية المتكالبة للذكوريين، ولعل هذا هو السبب الحقيقي في تغلغل التمييز الجنسي ضد المرأة، واكتسابها صورة نمطية فرقت بينها وبين الذكر على الرغم من أن جوهرهما واحد كما دورهما في المجتمع.

و ما زالت إلى اليوم التيارات المتشددة تتحكم في عقول المجتمعات تحت مسمى المصلحة العامة وباسم الدين، وتسوقها كالقطيع إلى قرون الظلام، وتجعلها تتصرف عكس ما ترغب، فتكبت أحلامها ومشاعرها وتطلعاتها، إرضاء لعادات عفا عليها الزمن وتقاليد أصبحت من الماضي وقوانين لا تمت إلى حاضرها بصلة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر