الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

يا عبيد

الشرق يغرق في دمائه الآن بفعل تمسّك أبنائه بإشكاليات لا يمكن لها الاستمرار في الحياة، فالعاجز عن التطور مومياء تتحكم بالحاضر، والثابت معضلة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/08/22، العدد: 9656، ص(24)]

لا أملُّ من استعادة متابعة واحدٍ من أهم مشاهد المسلسل السعودي “كلنا عيال قرية” الذي أنتج قبل سنوات وكان تطويراً كبيراً للتعاون المديد، الذي توقف مع الأسف، ما بين النجوم عبدالله السدحان وناصر القصبي والممثل القدير محمد الطويان، وقد اشتق المسلسل اسمه من المثل السعودي “كلنا عيال قرية وكل منا يعرف خيّه” في انسجام مع المفهوم الجديد “القرية العالمية”.

محمد الطويّان “أبو ضاري” شيخ العشيرة الذي تزوّج من امرأة مدينة أجبرته على ترك البادية والانتقال إلى المدينة واسكنته بدلاً عن بيت الشعر شقة حديثة، لم يتردّد بعد حين في تحويل سطحها إلى مضارب بدوية، بعد أن نصب خيمة تقليدية عليه، ووضع دلال القهوة ونجور الهيل والبن، ولكنه قبل ذلك عانى معاناة شديدة دفعته إلى أن يقف خلف قضبان شباك تلك الشقة ويقول شعراً مخاطباً به شخصاً افتراضياً في خياله سمّاه “عبيد” يمكن للقارئ الكريم العودة إليه على اليوتيوب:” يا عبْيد ليتك تشوف الحال يا عبيد/ الصدر ضايق ولا حولي ربوعي/ في شقة كنها بو غريب يا عبيد/ شبرين زنزانتي أو ربع بوعي/ النجر ما رنْ له شهرين يا عبيد/ والنار أنا شاعمه وسط الضلوعي/ تركيةٍ قهوتي والله يا عبيد/ وأكلي كنافهْ بسبب زين الطبوعي/ رجواي بمغيّر الأحوال يا عبيد/ أشوف مرباعنا وسط الجموع”.

وسواء كانت الاستعارة التي ساقها من سجن “أبو غريب” الذي رأينا فيه ألوان المدنية والتحضّر، أو من الكنافة الدمشقية أو من القهوة التركية، فالاغتراب واحد. في هذا المشهد يتخلّص التقاطع العربي مع الحداثة، وإن بدت كوميدية ساخرة متهكمة، ولكنها عميقة جارحة صارخة، فهل نجح حقاً مشروع التحديث العربي في تلك الدول مترامية الأطرف من بغداد إلى تطوان؟ أم أن تلك الملايين ما زالت تسرح في مضارب ذهنية ترى الحداثة “غزوة” والمدنيّة ترفاً لا لزوم له؟

هل ترى تلك الذهنيات الممتدة من البحر إلى البحر ما هو أبعد من أن يكون الإنسان قاتلاً أو قتيلاً؟ أو أن يكون الحب مجرد “سبي” والمرأة محظية أو جارية؟ هل ترى تلك الذهنيات الزمن غير رحلة على ظهر بعير يمخر غبار الصحراء الفاصلة بين واحة الرحم وعذاب القبر؟ وهل تشعر بمسؤوليتها فعلاً تجاه الأجيال الآتية التي سترث هذا كلّه؟ لا علامات على ذلك، ولأن تلك الأسئلة ما زالت قائمة فإن الشرق يغرق في دمائه الآن بفعل تمسّك أبنائه بإشكاليات لا يمكن لها الاستمرار في الحياة، فالعاجز عن التطور مومياء تتحكم بالحاضر، والثابت معضلة.

وقد سعى كثيرون لتغيير هذا الواقع في الشرق، ولكن شيئاً لم يتغيّر، فمن هو المخطئ؟ هل كانت تلك الجهود غير كافية؟ أم أن الشرق عصيٌّ على التغيير حقاً ولا أمل منه ولا رجاء؟ مع أن قيس بن الملوّح قال قديماً :”إذا متُّ خوفَ اليأس أحياني الرجا/ فكم مرةً قد متُّ ثم حَييتُ”. ولكن العرب كانت قد ازدرت قيساً واستخفت بعقله وعدّته مجنوناً لا يعوّل على كلامه واكتفت بتكريس اليأس.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر