الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

كارهو البشر: أي دين يؤمن به هؤلاء

موت الحريري فرصة لتجديد الدعوة إلى البحث عن وسائل مبتكرة للتعامل مع جيل نشأ في معازل نفسية، ولا يؤمن بالدولة وحقوق المواطنة، ويحتاج إلى إعادة تأهيل إنساني وعلاج نفسي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/09/06، العدد: 9671، ص(9)]

مساء الأحد 6 فبراير 2011، حين كان الإخوان، وعواجيز المعارضة الآمنة خبراء دعوات الإصلاح من كمال أبو المجد إلى عمرو موسى، يتفاوضون على الثورة، ويسعون لنيل الفتات من نظام مبارك بعد إطالة عمره، وقف شاب في الثامنة والستين، اسمه أبو العز الحريري على المنصة، وظل يخطب حتى أقبل يوم جديد، فجر الاثنين، وهو يصرخ في الميكروفون طالبا ألا نغادر ميدان التحرير.

ذلك اليوم أطلق عليه “أحد الشهداء”. ربما لم يحدث أن أدى المسيحيون القداس من قبل خارج الكنيسة، في ميدان التحرير حدث هذا، تجاور المسيحي والمسلم، في أحد الشهداء، وأقيم القداس ثم الصلاة، وجميعهم رفعوا الأيدي إلى سماء واحدة. في الميدان كان المسيحي ينتمي إلى هؤلاء المواطنين، إلى هذا المكان، إلى هذه الثورة المستمرة، بعد أن ظل زمنا من رعايا الكنيسة، أحد أبناء “شعب الكنيسة”.

في أيام البراءة تلك، ظننت المواطن المسيحي سيحتكم إلى الشارع ويحتمي به، إذ أصبح الميدان معبدا دينيا ووطنيا، ولكن الأشهر التالية، بعد خلع مبارك وقبل وصول محمد مرسي، حملت فتاوى تكفير تحرم تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد.

في ذلك اليوم، أحد الشهداء، خطب أبو العز الحريري قائلا إن “لجنة الحكماء”، وكانت تضم أيضا نبيل العربي ونجيب ساويرس وإبراهيم المعلم، لا تمثل إلا نفسها، ولا علاقة لها بالثورة، وإن المتحاورين مع عمر سليمان نائب مبارك لا يمثلون الشعب، وإن الحوار الوحيد المقبول يجب أن يكون حول كيفية رحيل مبارك.

مساء الثلاثاء 8 فبراير، كنتُ مع أبي العز الحريري وآخرين، وأبدى خوفه من وقوع خيانة. وعلينا التشبث بالميدان الذي كان خيال أهله أكثر رحابة، فاكتسب الميدان أرضا أخرى، وامتد إلى مجلس الشعب.

وفي يناير 2012، كان الإخوان قد وضعوا قدما فوق سلم الصعود. قدم مستحقة باختيار شعبي حر، وأصبحوا أغلبية في البرلمان، وجاؤوا بطليعة ميليشياتهم تمنع وصول بعض المحتجين إلى مقر البرلمان، وقالوا: “انتهت شرعية الميدان وبدأت شرعية البرلمان”، وكان التحالف قائما بينهم وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأثير تحت قبة البرلمان كلام عن صلاحيات مجلس الشعب المنتخب، في مقابل صلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي فوضه مبارك بعد التخلي عن الحكم. لم يجرؤ على التصريح بكلمة الحق إلا الحريري، إذ أكد أن لمجلس الشعب المنتخب صلاحية “على المجلس العسكري، وعلى كل الهيئات. الشرعية الثورية الآن تتعالى على الدستور المنعدم. رئيس المجلس الأعلى (المشير حسين طنطاوي)، كان من المفروض أن يبقى مكانه في السجن”، بسبب أخطاء أدت إلى قتل أبرياء في الفترة الانتقالية، وهو المسؤول أمام الشعب.

الحريري لم يكن ينتمي إلا إلى الشعب، ولم يقدم تنازلات أو يجري توازنات. وفي 10 يوليو 2012، تظاهر شباب الإخوان أمام محكمة مجلس الدولة، لدعم قرار مرسي إعادة مجلس الشعب، واعتدوا بالسب والضرب على محامين وبرلمانيين منهم أبو العز الحريري، في ميدان التحرير.

وفي نوفمبر 2013، في اليوم التالي لإذاعة الإعلان الدستوري الذي منح مرسي به نفسه صلاحيات مطلقة، اعتدى شباب الإخوان على الحريري في الإسكندرية. دخل المستشفى للعلاج حين كان مرسي يعظُ أهله وعشيرته، في خطاب “أبلج ولجلج” و”الحارة المزنوقة”، ونشطت كتائب الإخوان الإلكترونية، وهيأت أنصارها للعدوان على القضاء. ومن تلك الرسائل: «عاااااااااااجل. مجموعة من شباب مصر الرائعين تقرر محاصرة رموز الفساد في دار القضاء العالي الآن… النزول إجباري لجميع الحازموووووون ما تقعدش تتفرج والإخوان والسلفيين الجميع ينزل.. كله ينزل حالا”، ثم تليها رسالة أخرى تصور لشباب الإخوان أن المعركة تخص الدين نفسه: “عاجل وهام. رسالة إليكم.. المعركة الآن بين الإسلام والباطل… الموضوع ليس هزار ولا مجرد معركة سياسية.. استعدوا لكل شيء حتى الشهادة يا شباب.. وهناك أمور سنخبركم بها كل فترة”.

هي نفسها الكتائب الإلكترونية التي لا ترعى للموت حرمة، ونالت من أبي العز الحريري بمجرد رحيله الأربعاء الماضي، 3 أغسطس 2014، لسبب واحد أنه عاش حياته رافضا الاستبداد، وتصادف أن كان الحكم الديني الإخواني مستبدا. لا يتعفف منتمون إلى الإخوان وإسلامجية عن البذاءات، وبعيدا عن تعليقات وقحة كتب أحدهم في الشماتة بموت الحريري: “نشمت ونص، مين علمكم أن الشماتة مزمومة (كذا!!) على الإطلاق. ارجعوا إلى قوله تعالى.. يومئذ يفرح المؤمنون.. وقوله.. قل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين.. وفرح ابن مسعود وصعوده فوق صدر أبي جهل..”. وكتب آخر: “هلك، في داهية”.

القضية إذن ليست خلافا سياسيا بين صواب وخطأ، ولكنها معركة بين “الدين” و”الكفر”، بين “الحق” و”الباطل”. محمد مرسي نفسه لم يسلم من تهديد التكفيريين الذين رأوه متساهلا في تطبيق سراب اسمه الشريعة، واعتبروه خارجا على صحيح الدين، استنادا إلى فتاوى تنتمي إلى جغرافيا أخرى (المودودي)، وتاريخ آخر (ابن تيمية)، وكلاهما يجب أن يقرأ في سياق عصره. وإذا كان ابن بطوطة قد لاحظ خللا في عقل ابن تيمية، فلا عذر لسيد قطب الذي لا ينتمي إلى جغرافيا المودودي، ولا إلى زمن ابن تيمية.

موت الحريري فرصة لتجديد الدعوة إلى البحث عن وسائل مبتكرة للتعامل مع جيل نشأ في معازل نفسية، ولا يؤمن بالدولة والمواطنة، ويحتاج إلى إعادة تأهيل إنساني وعلاج نفسي، بعيدا عن التعامل الأمني الوحشي من الشرطة التي تحتاج إلى تأهيل مماثل. وربما يفضل البدء بإعادة النظر في نصوص عنصرية في مناهج الأزهر، وتأهيل خطباء الجمعة، فما أكثر الذين يسيئون إلى الإسلام، ويرون في الخطاب المنحط لعبدالله بدر شجاعة، وفي بذاءات وجدي غنيم خفة ظل. في هذه الحالة يسهل على البسطاء أن يلاحظوا اتفاق خطابي أبي بكر البغدادي وياسر برهامي، وأن الاختلاف في امتلاك الأول منصة لإطلاق الصواريخ، واستعادة الثاني ميكروفونا لإطلاق الكراهية.. كراهية الإسلام.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر