الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

أوراق 'العرب السنة' المحترقة

الحيتان الكبيرة داخل الجبهة السنية تجدد مواقعها ولا تسمح بوصول قيادات شابة مؤمنة بالقضية الوطنية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/09/08، العدد: 9673، ص(9)]

لم يكن متوقعا حدوث اختراق جدي في مسار العملية السياسية بالعراق رغم الكارثة الأمنية والسياسية التي حلّت به وتكاد تفتت كيانه. وقناعة الجميع- ما عدا المعنيين بإدارة الحكم- بأن أسباب الأزمة تتعلق بالمنهج الإقصائي، وبمسلسل الظلم الطائفي ضد العرب السنة الذي يتصاعد على وقع اجتياح “داعش” للأراضي العراقية. والإصرار على عدم تجاوز قضيتي المساءلة والعدالة، والعفو العام عن المعتقلين. وكان هناك من توّقع بأن نتائج هذا المنهج الذي قاده نوري المالكي خلال الثماني سنوات الماضية، يمكن أن يشكل درسا وفرصة أمام حيدر العبادي لكي يحقق الانفراج المطلوب، ويتحول إلى حاكم يدير البلاد بعقل عراقي ويحاول إخراج البلد من هذا الواقع المرير، ويضع قواعد الانفراج لبناء الدولة المدنية.

لكن هذا لم يتحقق، ولن يتحقق، بسبب تحكم الكتلة الشيعية التي يعتقد بعض أطرافها أن طي صفحة الماضي والدخول في المصالحة الوطنية الجدية والعفو العام سيؤدي إلى عودة البعثيين لممارسة دورهم السياسي الذي افتقدوه منذ أبريل 2003 وهو وهم لا صحة له، لأن الناس تبحث عن عودة حقوقها المدنية المصادرة والعدالة والمساواة، وليس أكثر من ذلك.

ومن يتابع نشاطات كواليس حوارات التكتلات السياسية خلال الأيام الأخيرة قبل تشكيل الحكومة، يتأكد من وجود الكثير من الحقائق السياسية لدى “الجبهة العربية السنية” وكذلك لدى الكتلتين الشيعية والكردية التي شكلت المشهد السياسي المتدهور في العراق. فهذه الجبهة السنية قدمت للأطراف الأخرى في لعبة المفاوضات ذات الزعامات والوجوه التي أثارت انتقادات واسعة من الجمهور العربي السني، لكونها احتلت مواقع مهمة في حكومة المالكي ولم تتمكن من رفع الظلم عن أبناء طائفتهم، وكانوا يطلقون الشعارات الحماسية بين جمهورهم لكنهم يصادقون على جميع قرارات وسياسات الإقصاء والتهميش والإيذاء، من أجل تمرير مصالحهم ومنافعهم الذاتية.

وخلال هذه الأيام ظهرت تسريبات تحدثت عن وجود صفقات في البازار السياسي، وحصول اتصالات فردية تتعلق بجني مناصب حكومية خارجة عن إجماع نواب “تحالف القوى” الذي صاغ ورقة “الحقوق” ووجد أنها تتقدم على توزيع الحقائب الوزارية. إن الحيتان الكبيرة داخل الجبهة السنية تجدد مواقعها ولا تسمح بوصول قيادات شابة مؤمنة بالقضية الوطنية، لأن هناك قضايا متعلقة بالنزاهة قد تفتح ملفاتها. وقد تمرست القيادات التقليدية على عقد الصفقات والمناورات مع أطراف الحكم في الجبهة الأخرى، لتتبادل المصالح المشتركة خصوصا في مسألة المغانم.

إن جبهة العرب السنة تعاني من الوهن والتفكك وانعدام الإرادة السياسية لأسباب كثيرة في مقدمتها أن غالبية أطرافها لا تؤمن بالتقسيم الطائفي الذي أوصل العراق إلى ما هو عليه، والثاني التشابك بين كتل تلك الجبهة وبين قائمة أياد علاوي التي مرة تحسب كسنيّة ومرة أخرى غير طائفية. الأمر الثالث هو الأهواء والمصالح الشخصية لدى البعض وهو السبب الذي أدى إلى اندحار قائمة علاوي في تشكيل الحكومة عام 2010، ويؤدي اليوم إلى تغييب ورقة “الحقوق” التي اتفق حولها “اتحاد القوى العراقية”.

أما الجبهة الشيعية فقد احتفظت بالحكم وتخلصت من محاولات تغيير قواعد العملية السياسية، رغم الفشل السياسي والأمني الذي حصل بسببها، واستطاعت القيادات الشيعية بمهارتها في المناورة حصر الفشل في المالكي. واستطاعت إبعاد جميع محاولات تحميلها الفشل الوطني، ورغم أنها قادرة على تشكيل الحكومة لوحدها، لكنها لا تتمكن من تجاوز لعبة المحاصصة الطائفية المقررة أميركيا، والتي تحافظ على هيمنة الأحزاب الشيعية على الحكم.

أطلقت الكتلة الشيعية خلال الأيام الماضية تعبئة إعلامية وشعبية واسعة لإسقاط المطالبات الوطنية السنية بشكل خاص، لإنهاء قانون المساءلة والعدالة وتحويله إلى ملف قضائي للمتهمين بقضايا إجرامية ضد مواطنين عراقيين، وكذلك قانون العفو العام. كما استطاعت توظيف الدعم الأميركي والدولي والإقليمي في المعركة ضد “داعش” لصالح إنجاز مهمة تسمية الحكومة الجديدة رغم أن الأميركان، لأسباب دعائية، يطالبون بتمثيل منصف للعرب السنة.

استطاع التحالف الشيعي إحراق معظم أوراق “الحقوق والمطالب” سواء المطروحة من قبل تحالف القوى الوطنية، أو من قائمة أياد علاوي الذي بدا إيجابيا لقاء منحه منصب نائب رئيس الجمهورية، ويتوقع أن تعاد بشكل أو بآخر تجربة اتفاقية أربيل عام 2010 الخاصة بالضمانات التي ظلت خلال الشهور الماضية عنوان معارضة أياد علاوي لحكومة المالكي، ولا نعرف هل سيتمكن من تحقيق أهداف المصالحة الوطنية.

أما الجبهة الكردية فلها خصوصية يمكن أن يفرد لها حديث آخر، مع أن مشكلة الأكراد تتعلق بما سيحصلون عليه من مكاسب في ظل حكومة العبادي. ورغم جسامة المشكلة التي يمر بها العراق خصوصا في الجانب الأمني وخروج محافظات كثيرة عن سيطرة الحكومة المركزية، والتي استخدمت كعنصر ضغط على سياسيي العرب السنة لكي يقبلوا بجزء من الحلول، إلا أن التوقعات تشير إلى عدم خروج العراق من حافة الهاوية، والعرس الحالي بالحكومة الجديدة لا يشكل علامة مطمئنة، رغم أنها ستدخل بتعبئة واسعة حول طرد داعش، ويخشى أن يقع العبادي، ونحن لا نريد له ذلك، مجددا تحت كماشة مصالح مرجعياته الحزبية والمذهبية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر