الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

السياسي والثقافي

تحرير الثقافة من هيمنة السياسة تتطلب أولا العمل على استقلالها وإعادة صياغة مفهومها ووظيفتها، ولا سيما أنها باتت تواجه اليوم تحدّيين كبيرين.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/09/11، العدد: 9676، ص(15)]

كان للتحوّل الذي شهده العالم في بداية عقد التسعينات مع انهيار المنظومة الشيوعية تأثيره الواضح في تفكير عدد من المثقفين العرب، تجلى في الدعوة إلى استعادة الثقافة لاستقلالها عن السياسي، والمطالبة بإخضاع السياسة لسلطة الثقافة، بعد أن كانت الثقافة تخضع لسلطتها. هذه الدعوة لا تختلف في مضمونها ودلالاتها عن المفهوم السابق لعلاقة السياسة بالثقافة، لأن كلا منهما ينطلق من مفهوم السلطة، القائم على إخضاع الطرف الآخر له.

هذه الدعوة بما تحمله من دلالات مختلفة، كانت تعبر في جانب مهمّ منها عن أزمة الأيديولوجيا بسبب المآلات التي انتهت إليها في العالم، وما تولد عنه من شعور بالخيبة عند المثقف الذي اكتشف خطأ الثقافة التي ارتهنت لسلطة الأيديولوجي والسياسي، من خلال قبول المثقف بمهمة التبشير والتسويغ والتبرير لهذه السلطة، بوصفها حاملة لمشروع الثورة الاجتماعية والتقدم. لهذا لم يكن مستغربا أن الداعين إلى تغليب سلطة الثقافة على السياسة، كانوا من مثقفي اليسار الماركسي والقومي.

هذه المحاولة لردّ الاعتبار للثقافة تنهض على قاعدة الاشتباك بين الثقافي والسياسي، من دون التأسيس لوعي مغاير يعي أن للثقافة مجالها الخاص، الذي تعنى فيه بطرح الأسئلة وإثارة الحوار وإنتاج المعرفة أكثر مما تعنى بتقديم الإجابات الناجزة أو الانغماس في الراهن، وأن سلطتها تنبع من وظيفتها النقدية باعتبارها قوة أخلاقية وضميرية تنحاز لقيم الحرية والعدالة والتقدم. لهذا فإن الثقافة معنية في الانقلاب على ذاتها من حيث الوظيفة والدور والفضاء الذي تحتاجه، قبل البحث عن سلطة يمكنها أن تستمدها من خلال قيمتها المعرفية ودورها التنويري في المجتمع.

إن تحرير الثقافة من هيمنة السياسة، تتطلب أولا العمل على استقلالها، وإعادة صياغة مفهومها ووظيفتها، ولا سيما أنها باتت تواجه اليوم تحدّيين كبيرين اثنين، الأول هو ثقافة الاستهلاك التي فرضتها العولمة العابرة للحدود، والثاني هو ثقافة ماضوية عصبوية منغلقة على ذاتها، تشكل محور أيديولوجيات الحركات الجهادية المتطرفة، وتقوم على التعصب وتغييب العقل.

هذه التحديات الخطيرة في مرحلة تاريخية عاصفة تضع الثقافة أمام مهمات شاقة في مقدمتها استعادتها لفضائها الخاص ولسلطتها على ذاتها، بحيث تظل أداة معرفة وتنوير لا يمكن أن تتحقق فاعليتها خارج حدود الحرية والشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا الإنسان والحياة والجمال، بعد أن أصبح الواقع العربي مهددا بهدر كل منجزاته التاريخية على صعيد قيم التقدم والحداثة والعقل في زمن الفتنة وطواغيت الظلام.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر