الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

نضحك لنسعد، لا نسعد لنضحك

أجمل ما في الضحك أننا لا نحتاج إلى دفع مقابل مادي من أجل أن نبتسم، فما أحوج العرب اليوم كبارا وصغارا لأن يطلقوا العنان لابتساماتهم المكتومة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2014/09/12، العدد: 9677، ص(21)]

ينهر العديد من الآباء العرب صغارهم عن كثرة المرح والضحك، ويرددون على مسامعهم الأمثال الشعبية التي تكبح مشاعرهم الوجدانية مثل “الضحك من دون سبب قلة أدب” أو “اسمع كلام من يبكيك ولا تسمع كلام من يضحكك” و”من يضحك كثيرا يبكي أكثر” وغيرها، وكأن الضحك عار أو مرض عضال، عوض مشاركتهم ضحكتهم وفرحتهم.

إن أعظم هدية يمنحها الآباء لفلذات أكبادهم هي السعادة التي هي أيضا غاية كل البشر، وإدراكها يحتاج إلى تربية الصغار بعيدا عن أجواء الحزن والخلافات، وتدريبهم على التعامل مع جميع الأمور برحابة صدر، وتعليمهم النظرة الإيجابية للحياة وكيفية مواجهة المصاعب بابتسامة عريضة، لأن ذلك يقوي أواصر الود والمحبة بين الآباء والأبناء، ويخزن في ذاكرة الأطفال كل تلك اللحظات السعيدة التي من شأنها أن تعطيهم معنى لحياتهم وتمنحهم القوة المعنوية على تخطي جميع الصعاب مستقبلا.

لكن في المجتمعات العربية والإسلامية قد يحتاج الصغار والكبار إلى اختيار المقامات أو تقديم التبريرات قبل الضحك، لأن الضحك بصوت عال يحط من قيمة الشخص الأخلاقية وخاصة إذا كان الضاحك أنثى وليس ذكرا، لذلك فالمجتمعات الشرقية خاصة أقل ميلا إلى توزيع الابتسامات، على عكس الشعوب الغربية التي تنظر إلى الضحك على أنه جزء من مقومات التواصل الاجتماعي بين البشر ومظهر من مظاهر التحضر.

وليس بالضرورة أن نضحك لأننا سعداء ونبتسم من المواقف الهزلية فحسب، بل إن بعض الباحثين يرون أن تجاوز المواقف المحزنة يتم باستذكار مواقف مفرحة، فلم لا نتصنع الضحك، من أجل أن نسعد ولو لفاصل زمني قصير، لأن محاولة الضحك يمكن أن تساعدنا على نسيان مشاكلنا، إنها من أفضل وسائل البوح بالأحزان والشعور بالحرية والانطلاق، والتفريج عن النفس وتطهيرها من الأفكار السلبية.

وقد انتشرت في أوروبا آلاف النوادي المخصصة للضحك التي يقصدها الأشخاص من مختلف الفئات العمرية من أجل الضحك ونسيان همومهم اليومية.

وتقوم المستشفيات في البلدان الغربية باستقدام مهرّجين ليس بهدف تسلية المرضى، بل من أجل إعطائهم دفعا معنويا يشحذ قدرة أجسادهم على مقاومة الأمراض المزمنة.

وأصبح العلاج بالضحك في اليابان أكثر من ضرورة، ومنحت الحكومة العديد من الرخص للمعالجين بالضحك لمساعدة الناس على تحسين أداء الجهاز المناعي والوقاية من الأمراض ومساعدة المرضى على الاسترخاء والتخلص من التوتر.

والضحك بسبب أو من دونه ليس قلة أدب -رضي العرب أو لم يرضوا- وهو خير دواء لجميع الأمراض، فهو ينشط عضلات القلب ويحسن أداء جهاز المناعة ويزيل الهموم ويريح البال.

وفكرة استعمال الضحك لعلاج البشر بدأت مع مبتكر العلاج السلوكي المعرفي ألبرت أليس الذي اعتمده كعلاج لمرضاه، وطورها الطبيب الهندي “مادان كاتاريا”، الذي عمل في مستشفى محلي بمومباي، لمساعدة مرضاه على التعامل مع ضغوط الحياة الحديثة بشكل أفضل.

وأجمل ما في الضحك أننا لا نحتاج إلى دفع مقابل مادي من أجل أن نبتسم، فما أحوج العرب اليوم كبارا وصغارا لأن يطلقوا العنان لابتساماتهم المكتومة، فيضحكون بأعلى أصواتهم، ويرفعون قهقهاتهم سلاحا في وجه خطابات الكبت التي تغرقهم في بؤر الأحزان وتلطخ أذهانهم بالمواعظ الكاذبة وتمنعهم من التمتع بالحياة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر