السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

الكوكش

ظَمِئَ الشرقُ اليومَ، ولم يملأ له الكأس حتى الجَمام، سوى الذين عاشوا على حواف تلك المدنيّة، يسمعون عنها، فتلهمهم وتغويهم، ويعجزون عن الانصهار فيها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/09/12، العدد: 9677، ص(24)]

كان أحد أصدقائي من مخضرمي دمشق، يقول لي طوال الوقت: “على الإنسان أن يكون مثل الكوكَش”، وكدتُ أُعجبُ بهذا اليقين عند الرجل، لولا معرفتي بما تعنيه كلمة “كوكش” في الحياة الشعبية القديمة، فالكوكش هو تلك القطعة التي يستعملها الإسكافي ما بين تصليح حذاء وآخر فيطوف بها سريعاً في أرجاء دكانه الصغير الذي يكاد يطوّق جسمه، بعبارة أخرى الكوكش هو مغناطيس يلمّ المسامير الصغيرة ونثارها من حول الإسكافي.

وكان صاحبي يعني أن على المرء أن يجمّع رصيده بين الوقت والآخر مثلما يفعل الكوكش، فلا يضيع منه مكسب ولا تمسّه خسارة، وهذا الخيار شديد الصعوبة ويقارب المستحيل، غير أن أبناء المدينة العربية ما زالوا مصرّين عليه، فيؤمن واحدهم بأنه يمكن له أن يكون ثورياً ومع نظام الحكم في الوقت ذاته، وأن يمضي إلى الأمام والوراء معا، ويقهر حبّ الذات ويتمسك بأنانيته ومصالحه معاً، يهيّج أهل الريف ويهدّئ أبناء المدينة، وهكذا فلا تجد في “الكوكش” خِلالاً إلا وجدتَ معها نقائضها تسكن جميعاً في قلب رجل واحد.

ومثل “الإسكافي” صاحب الكوكش، كان لأصحاب المهن والحرف في دمشق عالمهم الفكري الخاص، فتجد “البلاّن” الذي يعمل في حمام السوق، ولديه سياسة خاصة في التعامل مع الفقراء تختلف عن تلك التي يطبّقها على الأغنياء، فالبخشيش لم يكن إجبارياً ولذلك كان عليه أن يسوس عقول الناس كي يدفعوا له ما تيسّر من قروش، أما “البغجاتي” فقد تحوّل مع الزمن إلى متخصص في الحلويات، وهو ينظر إلى مهنته على أنه صائغٌ من نوع خاص، مثل صاغة الذهب والفضة، فلا يرخّص بضاعته بل يهتم بهندستها وتزيينها ومكوناتها ولا يقبل نقاشاً في سرّ الصنعة وما يمكن أن يضعه داخل حلوياته من خلطات.

أما “المُزعّلة” فهي المرأة التي كانوا في المئات الماضية من السنين يأتون بها من شارع “البدويّ” في أطراف الشام لتحل عقدة “العرسان” الجدد في حال لزمَ الأمر، وسمّيت بـ “المزعّلة” نسبة إلى “الزعل” لأنهم كانوا يقولون إن العريس تصيبه “الفرحة” بعد الزفاف مباشرة، فيحتاج إلى من يطرد عنه أعراض ذلك الفرح المدمّر، في حيلة من حيل عقل المدينة، وهناك ما كان يعرف بـ”المشخصاتي” أي الممثل الذي أصبح فيما بعد قائداً للرأي ونخبة أكثر من النخبة، فباتت تستعين به الأنظمة ليشرعن وجودها من خلال تلاعبه بعقول الخلق.

تلك هي المدينة العربية في المشرق والمغرب، أخطر من سواها من مدن العالم، فهي تضغط البعد النفسي والأخلاقي للمدينيّ إلى أبعد حد، وتصقله في قوالبها كي تصنع منه إنساناً لا يرحم، جلاداً وضحية في الوقت ذاته.

ظَمِئَ الشرقُ اليومَ، ولم يملأ له الكأس حتى الجَمام، سوى الذين عاشوا على حواف تلك المدنيّة، يسمعون عنها، فتلهمهم وتغويهم، ويعجزون عن الانصهار فيها والتأقلم معها، فتسحقهم بتعاليها وعجرفتها وازدرائها لهم، ففهموا أخيراً أنهم لا بدّ وأن يتغيروا ليتغيّر عالمهم، ولم يقل أحدٌ لأبناء تلك المدنية أنهم آن أن يتغيروا هم أيضاً كما تغيّر الرعاع، على حد زعمهم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

:: اختيارات المحرر