الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

أميركا وداعش والعبادي

قطف العبادي الثمار الأولى للحرب على 'داعش'، حيث استطاع الخروج من عنق الزجاجة في تشكيله للحكومة برضى القيادات العربية السنية المنخرطة في العملية السياسية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/09/15، العدد: 9680، ص(9)]

تأتي في مقدمة إستراتيجية باراك أوباما الخاصة بمحاربة “داعش” بدء حرب هجومية ميدانية عسكرية وسياسية وإعلامية في منطقتين رئيسيتين مشتعلتين هما العراق وسوريا، توظف لهما إمكانيات دول الخليج المادية والمعنوية، إضافة إلى الحشد الأوروبي الواسع.

ويبدو أن دول الخليج العربي، رغم أنها متأكدة أن خطر الإرهاب يهددها، لا تجد أن إطلاق العون المادي واللوجستي لهذه الحملة الأميركية فقط، سيضمن لها تحقيق الأهداف الإستراتيجية في إنهاء مخاطر الإرهاب من دون طرد منابعه ودوافعه الفكرية والسياسية وحواضنه الاجتماعية.

إن الظروف التعبوية التي أطلقها باراك أوباما في إستراتيجيته المهلهلة الغامضة، منعت حاضري مؤتمر جدة الطارئ من التعبير المباشر عن هذه المخاوف لكي لا يوصفوا بالمعيقين لهذه الحملة العسكرية. وبدا واضحا من الإعلانات الأميركية أن واشنطن لا تستهدف القضاء السريع على “داعش” حيث وضعت لها جدولا يمتد لسنوات، وأن الهدف الرئيسي هو إعادة الحياة لمشروع الشرق الأوسط بعد فشله إثر هزيمة القوات الأميركية في العراق ورحيلها عام 2011.

لقد قطف ثمار الخطوات الأولى لهذه الإستراتيجية حيدر العبادي، وتشكيلة الحكومة التي ولدت محمولة على الكتفين الأميركي والإيراني. لقد سبق لإدارة بوش أن قدمت دعما لا حدود له للمالكي، وكانت النتائج واضحة في إشاعة الظلم والقهر الطائفي والقتل والتغييب في السجون والإقصاء للعرب السنة، والفساد والانهيار الأمني وعزل العراق عن محيطه العربي، وتمكين إيران من التغلغل والهيمنة الشاملة على شؤون العراق.

وتحولت ستّ محافظات عراقية، خلال السنتين الأخيرتين، إلى كتلة مواجهة مدنية ضد سياسة نوري المالكي، ثم انتقلت إلى ثورة مسلحة وقع جزء منها تحت مخالب تنظيم “الدولة الإسلامية” التي أخرجت غالبية تلك المحافظات من إدارة حكومة بغداد بناء على مقولة (عدو عدوّك صديقك)، وقد اعترفت إدارة أوباما خلال الأشهر الأخيرة بهذه الحقيقة، ودعت قادة “الكتلة الشيعية” إلى مراعاة ذلك والاتفاق على إزاحة المالكي الذي ألبسوه لوحده قميص الفشل، ثم المجيء بوجه جديد- رغم أنه ابن حزب الدعوة الإسلامي- وبناء حكومة من ذات الوجوه السياسية التي حملت ذات الأضلاع الطائفية وذات عنوان الفشل، وإدخال زعامات جديدة في خطوة استرضائية لمعارضي المالكي وضعوهم إلى جانبه في سدة الرئاسة، ولا يتوقع لهم التأثير الجدي في المسيرة السياسية للحكم، لكنها محاولة لتعديل طفيف في لوحة الأضلاع الثلاثة الطائفية (شيعي- سني- كردي) بوجود إياد علاوي في منصب نائب رئيس الجمهورية، ولإطفاء جزء من الاحتقان الطائفي الذي كاد يلقي بالبلاد في مهاوى التفكك والانهيار.

لقد ولدت حكومة حيدر العبادي بمهرجان أميركي وأوروبي وترحيب عربي غير مسبوق، بسبب الظروف الاستثنائية التي تجعل من العراق المركز الأول لانطلاق الهجوم الكبير على تنظيم “داعش”، وبذلك تم إسكات جميع المعارضين من أبناء الطائفة العربية السنية، لتأجيل مطالباتهم المشروعة في ورقة الحقوق التي قدموها إلى “الكتلة الشيعية” إلى ما بعد إنجاز مهمات الطوارئ الجديدة في حرب “داعش”، ولكي لا يوصف أحد بعرقلة متطلبات هذه الحرب، وبذلك قطف العبادي الثمار الأولى للحرب على “داعش”، حيث استطاع الخروج من عنق الزجاجة في تشكيله للحكومة برضى وبمشاركة القيادات العربية السنية المنخرطة في العملية السياسية، والتي تفتقد دعم ورضى الجمهور العربي السني، وهي حالة مشخصـة ومقبولـة وغيـر مراهن عليـها من قبل التحالف الشيـعي ومن قبل حيدر العبادي نفسه.

إن بناء التحالف الدولي الذي تقوده أميركا في شن الحرب على داعش في العراق أولا، بقدر ما خدم العبادي حاليا، فلن يخدمه في الأيام اللاحقة إن لم ينتقل فورا من التطمينات الإعلامية للعراقيين، إلى إجراءات فعلية وقانونية اسثنائية تزيل جميع سياسات ووقائع الظلم والانتقام والتمايز والقهر الطائفي، وذلك بإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين وفق القوانين الكيدية، وإعادة النازحين إلى بيوتهم وتعويضهم، وتجريد قانون المساءلة والعدالة من أهدافه الظالمة ضد المواطنين العراقيين خصوصاً في مجال الحقوق الوظيفية الإنسانية، وتحويل المتورطين في جرائم ضد المواطنين إلى القضاء، والدخول في تنفيذ المشروع الإنقاذي العراقي، الذي ينهي التمايز على أسس طائفية ومذهبية ويشيع العدالة والمساواة، والتوازن الحقيقي في السلطات. وأن تكون إجراءات حيدر العبادي متوازية مع الحملة العسكرية التي تقودها أميركا ضد “داعش”، وهي معركة طويلة تمتد لسنوات حسب الإعلانات الأميركية، والعبادي يعرف حقيقة أن النيران الأميركية والأوروبية لن تزيل “داعش” ومخاطرها إن لم يتم وضع الحلول العاجلة لأبناء المحافظات العربية السنية، والشروع في الحلول السياسية التي قُدّمَ بعضها إليه وإلى تحالفه الوطني من قبل الكتلة العربية السنية.

لقد أثبتت تجارب العشر سنوات الماضية، وما أكده العرب في مؤتمرهم التحشيدي بجدة قبل أيام، أن أبناء العرب السنة في العراق إذا ما أعيدت إليهم حقوق المواطنة هم القادرون على هزيمة “داعش” وليست الحملة الأميركية الكبرى.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر