الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الحوليات الروائية

التجربة الأدبية شعرا كانت أم سردا هي وليدة تراكم وتفاعل دائمين بين الذات المبدعة والواقع، وهي تتغذى من روافد عديدة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/09/18، العدد: 9683، ص(15)]

ظاهرة الحوليات ظاهرة شعرية أطلقت على بعض شعراء الجاهلية، وفي مقدمتهم الشاعر زهير بن أبي سلمى، الذي كان يشتغل على تهذيب وتطوير قصيدته عاما كاملا حتى تكتمل. لكن هذه الظاهرة انتقلت فيما بعد من مجال الشعر إلى مجال الرواية، في عصر ازدهارها، عندما قامت بعض دور النشر العالمية بالتعاقد مع عدد من الأسماء الروائية المشهورة على نشر رواية جديدة لهم كل عام.

ومع ازدهار الرواية العربية انتقلت هذه الظاهرة إلينا، فأخذت بعض الأسماء الروائية المعروفة تقدم لنا كل عام عملا روائيا جديدا، تتولى الدار المختصة طباعته وتقديمه للقارئ العربي. بعض الروائيين العرب استغل ظاهرة قيام بعض المجلات الثقافية بتوزيع عمل أدبي مع كل عدد للمداومة على إصدار عمل جديد كل عام. أسباب عديدة تقف وراء هذه الظاهرة، بعضها مادي رغم معرفة الجميع بأن الأدب لا يطعم خبزا في ثقافتنا العربية، في حين أن البعض الآخر يسعى إلى تحقيق الهدف المادي، وتأكيد حضوره الإبداعي في المشهد الأدبي في آن معا.

هذه الظاهرة تطرح أكثر من سؤال يتعلق بآلية الكتابة عند هؤلاء الروائيين، لأن الكتابة كما نعرف هي التي تملي شروطها ولحظتها على الكاتب، وليس العكس. فكيف يستطيع الروائي إذن المداومة بصورة سنوية وضمن هذه الشروط على إنجاز عمل جديد، دون أن تقع تجربته في التكرار والنمطية والتشابه. التجربة الأدبية شعرا كانت أم سردا هي وليدة تراكم وتفاعل دائمين بين الذات المبدعة والواقع، وهي تتغذى من روافد عديدة، تلعب فيها موهبة المبدع دورا هاما في تمثل عناصر تلك التجربة، وإعادة بنائها على نحو أعلى جماليا وفكريا، دون أن يكون الكاتب أو الشاعر قادرا على تحديد لحظة انبثاقها أو الزمن الذي تحتاجه حتى تكتمل صورة ولادتها، وتستوي على عرشها وقد استكملت عوامل نجاحها وتفوقها على المنجز السابق للكاتب، من خلال ما أضافته إليه من قيمة إبداعية جديدة.

بين الإلزام وحرية الإبداع ثمة فارق واضح يمكن أن نلمسه في محدودية القيمة الإبداعية، التي يمكن أن تتوافر في أعمال هؤلاء الكتّاب، الذين وقعوا في مطب التكرار وإعادة إنتاج إبداعهم، دون أن يتمكنوا من تحقيق أي اختراق نوعي على مستوى تجاربهم، بعد أن ألزموا أنفسهم بسقف زمني محدّد، أصبح هو الذي يملي شروطه عليهم، الأمر الذي جعل الاهتمام بهذا المنجز الروائي يتراجع إلى درجة لم يعد صدور عمل جديد لهم يثير أيّ اهتمام أو متابعة نقدية تذكر.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر