الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

مشكلة الإثنيات في بلداننا وعلاجها

تحويل قضايا الإثنيات والمذاهب الدينية إلى أيديولوجيات ذات نزعة طائفية متصارعة يتم في ظل الديكتاتورية والقمع والانفراد بالثروة من قبل الأقلية الحاكمة.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/09/18، العدد: 9683، ص(8)]

يشهد عدد كبير من بلداننا تفاقم ظاهرة التفكك الإثني وتحولها إلى بؤر للصراع السياسي والتشظي الاجتماعي والتطاحن الدموي، ونظرا لخطورة ما يحدث فإنه من المستعجل العمل على إيجاد الحلول الناجعة لهذه المشكلة. وهنا نرى أن القطب الجغرافي الذي ندعوه بالعالم العربي، شبه خال من مراكز الدراسات المتخصصة على المستوى الرسمي وعلى مستوى المجتمع المدني في دراسة واقع الأقليات الإثنية أو الدينية أو العرقية، وجراء هذا، فضلا عن غياب الإرادة السياسية، لم نقدر على علاج أسباب ما يحدث من تفكك وصراعات.

في كتابه “أثينا السوداء” قام المفكر مارتن برنال بوضع خارطة للعائلات اللغوية العالمية، وخص بلداننا بخارطة بيَن فيها أصول وأنساب لغات المجموعات البشرية التي انبثقت عنها الثقافات وتشكلت على أساسها الإثنيات في فضائنا العربي الإسلامي. ولاشك أن هذا النوع من الإثنيات التي يحصرها مارتن برنال في الإطار الأفريقي- الآسيوي، في حاجة إلى الحاق عنصر آخر وهو عنصر الطائفة التي يكمل قسمة مفهوم الإثنية كما هي الآن.

من الملاحظ أنه لحد الآن لا توجد في بلداننا استراتيجية علمية، لمعالجة مشكلة الإثنيات علاجا صحيحا، وذلك في إطار بناء المجتمع الديمقراطي الذي يتمتع فيه المواطنون بحقوقهم الفردية والإثنية سواء تعلق الأمر بحقوق المواطنة المادية أو الثقافية واللغوية أو الاجتماعية، أو بالحقوق الروحية أو السياسية. جرّاء إهمال هذا المشكل الخطير، منذ حصول بلداننا على الاستقلال إلى اليوم، بدأت تظهر نزاعات حادة تهدَد الوحدة الوطنية بالتشظي وعدم الاستقرار. وفي الواقع فإن هذا الإهمال هو نتيجة لعدة عوامل متداخلة متبادلة التأثير، في مقدمتها فشل الأنظمة الحاكمة في بناء ثقافة المواطنة وجعلها الإسمنت الذي يصهر الاختلافات دون أن يلغيها بالقوة، أو يمارس عليها الحجر والكبت بالأساليب الديماغوجية.

أول عقبة تواجه حل المشكل الإثني في مجتمعاتنا تتمثل في إنكار عدد كبير من الأنظمة الحاكمة لحقيقة وجود الإثنيات في بلداننا حينا، والتعامل معها بوسائل العنف عندما تطفو مطالبها إلى السطح، ومواجهتها بتجييش الأجهزة بالأيديولوجية واستخدامها كوسائل هدفها إما الاحتواء السلبي أو المحو التدريجي للسجلات الرمزية للإثنيات.

كما هو معروف فإن بعض الأنظمة العربية وظفت أسلوب التحويل الجغرافي من أجل تطهير مناطق معينة من هذه الأغلبية الإثنية أو تلك بشكل تعسفي، وفي بعض الأوقات نجدها تلجأ إلى تقسيم المحافظات على نحو يضمن لها خلط الأوراق، وقد تمَ إنجاز مثل هذه الألاعيب عن طريق تعبئة فضاءاتها بمزيج من الإثنيات المختلفة قصد تفتيتها وتهجينها. إن هذه الأساليب لم تحقق سوى تعميق مشكل الإثنيات وشحنها بالعداوة، وتكريس ثقافة تسييس التنوع الإثني، وتحويله إلى مخزون من البارود القابل للتفجير في أي وقت. ففي كل هذه الحالات تبقى مشكلة الإثنيات عنوانا للأزمة الكامنة التي تنتظر اللحظة المناسبة لتعود إلى السطح بأشكال متباينة.

من المعروف أن علاج مشكل الإثنيات يتطلب أولا الاعتراف بوجودها في مجتمعاتنا على أساس معطى تاريخي وعلامة تنوع حضاري، وليست وافدة أو مفروضة من الخارج. من ناحية أخرى فإن الاعتراف بالوجود المادي البشري وما يشتق منه من تنوع في العادات والتقاليد والأعراف، بما في ذلك التميز الثقافي أو اللغوي لوحده فقط لا يحل المشكلة، ولذلك فإنه ينبغي أن يتزامن هذا الاعتراف بعمليات تحسيس المشكلات المادية والرمزية الحقيقية التي تعاني منها الإثنيات قصد حلها جذريا، وذلك بعد إنجاز دراسات ميدانية جدية واعية، بعيدا عن الديماغوجية والارتجال من أجل إعداد خارطة إحصائية متكاملة لهذا الغرض. مثل هذه الخطوات ضرورية وينبغي أن تكلَل بتحقيق ما يدعى بحقوق التمثيل السياسي الإيجابي الضامن لإنجاح العملية الديمقراطية، وكل ذلك ضمن إطار الوحدة المنبثقة عن التنوعات.

هناك مسألة مهمة ومركزية أخرى لابد من أخذها بعين الاعتبار وتتمثل في ضرورة تجنَب مأزق تحويل الإثنية من نزعة ثقافية أو دينية روحية، إلى شكل من أشكال وهم الجماعية العرقية المتطرفة التي تشجع على شرذمة وتمزيق الوحدات الوطنية الهشة. في هذا السياق نرى أنه من الضروري العمل على نشر الوعي الذي يميز بين مفهوم الإثنية الثقافية، ومفهوم الطائفة الدينية حتى لا يُخلطان تعسفيا بالمفهوم العرقي، الذي يحوَل من طرف بعض الأقليات، إلى مشكلة عرقية متمركزة ومنغلقة ونابذة تأخذ في آخر المطاف منحى متطرفا وانعزاليا. إنَ انعدام توضيح هذه المفاهيم وإزالة اللبس عنها مهمة مستعجلة، حتى لا تنجر ساحتنا الاجتماعية إلى التطاحن المؤدي إلى التمزق. إن القراءة الصحيحة لواقع مجتمعاتنا الراهنة تؤكد في السنوات الأخيرة، أن ظواهر التطرف الذي يأخذ من حين لآخر شكل الفرادة في بعدها البربري والماروني والكردي والفرعوني إلخ، أو شكل الطائفة المنعزلة أو الإثنية الإقصائية هي حقيقة وليست مجرد هبَة ريح عابرة.

في هذا السياق لابد من التذكير بحقيقة أن بلداننا قد مرَت، بتجارب قاسية مثل تجربة السودان التي أدَت إلى انفصال الجنوب عن الشمال بمسوّغ عرقي وظفته القوى الغربية توظيفا مبيَتا، ورأينا في الجزائر انتفاضة ما سمي بالربيع البربري التي طالبت بترسيم الحق اللغوي والثقافي على مدى سنوات دون جدوى مما خلق تصدّعات نفسية ومادية في المجتمع، وأسفر عن التكتلات الجهوية التي جرّت النظام الجزائري إلى انتهاج حل انتهازي يتمثل في التمثيل الجهوي في مؤسسات الدولة. جراء هذا الوضع تمكن فصيل من الحركة البربرية الجزائرية من إعلان حكومة منفى في فرنسا بقيادة الناشط السياسي والمغني فرحات مهني، وتتلخص أهداف هذا الفصيل في الاستقلال الذاتي عن الحكومة المركزية، كخطوة أولى لتثبيت الانفصال النهائي عن الدولة المركزية.

يبدو أن مشكلة الإثنيات ببلداننا مرتبطة عضويا بتفكك الوطنية الجامعة لتنوعاتنا، ومرتبطة بتفريغ محتوى الاستقلال من مضامين العدالة والحرية والحكم الرشيد، وتداول السلطة في ظل احترام التنوعات والخصوصيات الثقافية واللغوية، ويبدو أيضا أن تحويل قضايا الإثنيات والمذاهب الدينية إلى أيديولوجيات ذات نزعة طائفية متصارعة يتم في ظل الديكتاتورية والقمع والانفراد بالثروة من قبل الأقلية الحاكمة.

إن غياب الديمقراطية وتجلياتها من عدالة اجتماعية واقتصادية واحترام للخصوصيات الثقافية واللغوية، هي العوامل التي تحوَل الإثنية إلى تهديد للوحدة الوطنية.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر