الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

رسائل من حروب لا تنتهي

ما نعيشه أقرب إلى 'الهستيريا'، ومثالها الصراع المأساوي على الساحة السورية الممتد لسنوات جرت فيها أبشع أشكال التنكيل بين الطرفين المتصارعين، أو الأطراف المتصارعة لتعدد أيديولوجياتها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/09/19، العدد: 9684، ص(9)]

يُنتج الكون منذ ظهرت الخليقة أشكالا شتى من الصراعات، التي هي في أساسها شكل من أشكال التعارض في المصالح والاختلاف المفضي إلى استخدام بدائل وأدوات لإزاحة الآخر، وعلى هذا الأساس تطورت الصراعات تباعا من الاختلافات في الرؤى والأفكار، وصولا إلى الصراع المفضي إلى العنف والذي يتجلى في ما يتعلق بالجماعات والدول بالحروب سواء أكانت أهلية أو إقليمية أو عالمية. وما إن يَنشب الصراع بشكله الدامي ويتحقق القفز المتسارع لإحراز (الانتصارات) وإلحاق الهزائم ،حتى نكون إزاء قصص مختلفة قادمة من ميدان الصراع وربما تلك علامة فارقة معتادة، روايات متعددة وكل طرف يقدم روايته الخاصة وعلى الآخرين تصديقها، وتجد بموجب ذلك انقساما مقابلا في قبول تلك الروايات وتبنيها على أنها هي البديل الموضوعي عن أية رواية أخرى .

ومما لاشك فيه أن أي صراع وأية حرب تحمل معها آثامها وخطاياها الجسام، فلا توجد حرب نشبتْ في الكون لم يرافقها ارتكاب فظائع وإلحاق أضرار بالمجتمع المدني، وبالمسالمين والمدنيين وبالنساء خاصة، ولهذا ستغدو قصة فيها نظر أن يخرج لك أحد طرفي الحرب بعرائض براءة الذمة من أية آثام وفظائع.

إن هذا الواقع تطور، قدما، بتطور أدوات الحروب ووسائلها، إلى استخدام أشكال من الحرب النفسية، وصولا إلى ما وصلنا إليه اليوم من استخدام التقنيات الحديثة لتشويه الخصم و”استيلاد” السخط والكراهية والرفض ضده، وصولا إلى استخدام الصور والأفلام والخطابات المفبركة، ناهيك عن التصريحات والخطابات والتسريبات التي صرنا نعيش فصولها أثناء الصراعات الدامية. ولهذا صار أمرا محتما وجود نوعين أو شكلين من الرواية لما يجري، وأن كل الرسائل القادمة من الحرب والمتحاربين لا تتعدى ذيْنِك النوعين، وبإمكان المتلقي أن ينخرط مختارا ما بين الـ(مع) و(الضد) أو يبقى على الحياد.

هذا النوع من الانحيازات الذي أنتجته الحروب والصراعات أفضى من جهة أخرى إلى استيلاد شكوك في المصداقية لجهة التحقق من صحة الصور والأخبار والتصريحات وبالمجمل الرسائل القادمة من طرفي الصراع، تصدُقُ على ذلك القصص الحقيقية والمفبركة إبّان الحرب العالمية الثانية، وقبلها الحرب الأهلية الأسبانية، وبعدها حرب فيتنام ثم حرب الفولكلاند والحرب العراقيةـ الإيرانية، وصولا إلى احتلال العراق عام 2003.

أما ما نعيشه اليوم فهو أقرب إلى “الهستيريا” الإعلامية، ومثالها الصارخ فصول الصراع المأساوي على الساحة السورية الممتد لسنوات جرت فيها أبشع أشكال التنكيل بين الطرفين المتصارعين، أو قل الأطراف المتصارعة لكثرتها وتعدد أهدافها وأيديولوجياتها ومصادر تمويلها وتسليحها، ولهذا في المقابل تعددت الروايات والقصص وصار كثير منها “حمال أوجه”، وآيته في رواية أخرى أو قل روايات أخرى في زمن انصرفت عنه الملائكة، وتكاثرت فيه الشياطين .

وبسبب جدل المصداقية في الرسائل القادمة من الحروب، تجد أن ليس من السهولة الوصول إلى حقيقة مواقف الأطراف المتحاربة، ولكن ستجد من الملفت للنظر ما قام به المخرج والمنتج الأميركي الكبير “كلينت إيستود” عندما أقدم على إخراج فيلمين طويلين عن وقائع الحرب الأميركية الفيتنامية امتدادا للحرب العالمية الثانية، الفيلمان عرض كل واحد منهما وجهة نظر طرف من طرفي الصراع، فالفيلم الأول حمل عنوان “رسائل من أيوجيما” ويعرض حقيقة دفاع اليابانيين عن أرضهم في وجه تقدم القوات الأميركية في المعركة الشهيرة “أيوجيما” التي نشبت بين الطرفين. وخلال الفيلم الذي يمثل وجهة النظر اليابانية يفصح اليابانيون عن جميع تفاصيل المواجهة المحتدمة بين الطرفين. أما من الجانب الآخر فهنالك فيلم “بيارق آبائنا” الذي عكس وجهة النظر الأميركية بشكل كامل في وقائع معركة أيوجيما، وصولا إلى تلك الصورة الشهيرة لالتفاف الجنود الأميركان حول سارية العلم الأميركي، وهم يغرسونها في قلب تلك الجزيرة اليابانية الاستراتيجية النائية، كناية عن الانتصار الذي تحقق .

لعل هذا النموذج والمثال الطريف بحاجة إلى أن يتكرر في مقاربة الرسائل القادمة من الحروب، والتي تحتمل الكثير من الجدل والشكوك والأخذ والرد .

أن تُعرضَ رسائل المتصارعين في الحروب على صعيد واحد، فذلك هو البديل المنطقي لظاهرة التباكي واستدرار العواطف لكسب مساندين ومناصرين لطرف، في مقابل معارضين ورافضين ومعادين لطرف آخر، وهو ما لا يمكن تحقيقه بسهولة بسبب هذا الركام الكبير من القصص التي يختلط فيها الصدق بالتزييف، لكي تبقى الرسائل القادمة من الحروب علامة هزيمة قبل أن تكون علامة انتصار، وذلك بسبب ضحايا الحروب وخسائرها الجسام التي لا تعادلها نشوة الانتصار التي يشعر بها دهاقنة الحروب وهم يقيمون كرنفالاتهم على جماجم الأبرياء وجراحات المعاقين وخراب المدن والقرى، وبقاء جرح الحرب في قرارة الضمير وهو ما لا تشفع في تضميده أية رسائل وبلاغات من تلك الحروب التي لا تنتهي .

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر