الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

علاء الدين

لا يمكن وصف الواقع في العالم العربي بأبشع مما فعل ديكتاتور واديا، وليس هذا غريباً عن واقع ما يزال يعيشه الشرق.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/09/19، العدد: 9684، ص(24)]

قام الدكتاتور باستصدار أمر سامٍ يقضي بتبديل أكثر من 300 كلمة من كلمات القاموس في بلاده، لتصبح كلها “علاء الدين”، بما في ذلك كلمتي “السالب” و”الموجب” ليصبح الواقع سيان، فحين يذهب المريض ليحلل دمه ويكشف عن ورم سرطاني يقول له الطبيب: “نتيجة الفحص علاء الدين” فلا يدري هل يضحك أم يبكي، فالسالب والموجب واحد.

ويمكن أن نتخيل في هذه الحال، أن الثقافة علاء الدينية، حين تحارب وتمنع الكتب والصحافة، وتكون الصناعة علاء الدينية، أيضاً، في أوج ازدهار إنتاج علب الكبريت ومحارم الورق، وتكون الزراعة علاء الدينية، بينما يضرب الجفاف الأرض المتشققة والأنهار البائدة، والجيش علاء الديني، منتصرٌ على شعبه، وحياة المواطن علاء الدينية، بحيث لا يختلف دخله أي علاء الدين آخر في العالم.

كان هذا فيلماً سينمائياً رديء الصناعة، أنتج قبل عامين، أي بعد اشتداد أزمة الربيع العربي مع الواقع، وتصاعد الصراع بين الشعوب والزعماء الديكتاتوريين. بعض المحللين قالوا إن السيناريو مستوحى من رواية “زبيبة والملك” المنسوبة لصدام حسين، ولم يشفع للفيلم مشاركة النجم الكبير بن كنغسلي فيه، فهو من أدى شخصيات رائعة وعملاقة في تاريخ السينما العالمية، وفيلم “الديكتاتور” يتحدث بسخرية عن رؤساء الشرق الأوسط، وكيف يقضون وقتهم، وماهي طموحاتهم وصراعاتهم وردود أفعالهم على الديمقراطية الغربية، متناولاً رئيس جمهورية “واديا” الأدميرال علاء الدين، الذي يؤدي دوره الممثل البريطاني الاسترالي ساشا بارون كوهين، الذي يبكي في الفيلم حين يتعرّض عرشه للتهديد، ويخاطب الله قائلاً: “يا رب لم أفعل شيئاً يستحق هذا العقاب، لم أعدم من المواطنين بنفس القدر الذي أعدم به الزعيم الفلاني، ولم أسرق لنفسي إلا جزءاً من ثروة علان من الزعماء، لماذا تفعل بي هذا يا الله؟ لماذا هذا العذاب؟”.

لا يمكن وصف الواقع في العالم العربي بأبشع مما فعل ديكتاتور واديا، وليس هذا غريباً عن واقع ما يزال يعيشه الشرق، فالعبث بالعقل، كان أول طرائق التحكم والسيطرة، ابتداء من اللغة، ولم يحدث هذا في عصرنا الحديث فقط، بل تتابع تاريخياً عبر الأزمنة، فكان مفتاح كل شيء إقناع الآخر بأن منطوقه ليس صحيحاً بل الصواب هو ما نقوله له نحن، وعليه أن يرضخ، وما أن يرضخ للتحكم اللغوي، حتى يصبح جاهزاً لبقية لائحة الأوامر، ليصبح رجلاً آلياً مبرمجاً لغوياً وعصبياً، ويكون على حريته وعقله السلام.

ما لم يقله الفيلم الرديء، هو أن الأدميرال علاء الدين، حمل اسم شخصية عتيقة في وعي الكبار والصغار من العرب، ذلك الفتى الذي يجد مصباحاً قديماً، فيفركه ويفركه، حتى يخرج له المارد ويحقق له ما يشاء، فإما أن يكون الديكتاتور العربي قد وجد المارد السحري الذي سيحقق له أحلامه، أو أن المارد سيخرج له من مأمنه فيدمّر أحلامه دفعة واحدة.

عالمنا من البحر إلى البحر، علاءُ الدينيّ بجدارة، ورؤيتنا الإصلاحية له علاءُ الدينية، وآمالنا في تغييره علاءُ الدينية بالطبع، فلا يمكن لعلاء الدين أن يهزم في آخر هذه العلاء الدين المدمّرة التي لم تبق علاءَ دينٍ واحداً دون أن يمسّه قرينٌ له هنا أو هناك.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر