الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

'الدولة' الفريضة العربية الغائبة

مشروع 'الدولة' لا يهدف إلى هداية الناس إلى الإسلام، وإنما تحقيق العدل بين 'المواطنين' وضمان حرياتهم 'فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/09/23، العدد: 9688، ص(8)]

في أبريل 2002، حين وقع حصار جنين، وتحول إلى مذبحة راح ضحيتها 58 فلسطينيا، كتب الشاعر المصري محمد كشيك قصيدة غاضبة عنوانها “هذا العام مش نافع حج”. ولكن عنوان القصيدة ظلَّ عنوانا لقصيدة، ثمرة غضب واحد من شعراء يتبعهم الغاوون. أغمضت عيني وتخيلت ما يمكن أن يحدث لو أصبح عنوان القصيدة موقفا وحقيقة، وألغي الحج في ذلك العام، احتجاجا على العجز العربي والإسلامي، رسالة إلى الله الذي وهب المنطقة اللؤلؤ والمحار والنفط والدماء التي لا عاصم لها إلا وجود “الدولة”.

لم يُلْغَ الحج في ذلك الموسم، وطاف الحجيج وفرحوا وعادوا مطمئنين، كما طافوا وفرحوا واطمأنوا في مواسم أخرى سابقة ولاحقة، دامية أيضا، حصار بيروت 1982، اجتياح غزة 2008، عدوان يوليو وأغسطس 2014 “الجرف الصامد – العصف المأكول”، طبعة جديدة من سابقه في 2012، طبعة مزيّدة بأعداد الشهداء واسم العملية “عمود السحاب – حجارة السجيل”.

اختلف عدوان 2014 عن عدوان 2012 في أمر مهم هو اعتراف قادة “حماس” أن العمليات الجهادية “عدوان”. ففي يوم الأربعاء 21 نوفمبر 2012 نصَّ اتفاق الهدنة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية على أن توقف إسرائيل “كل الأعمال العدائية في قطاع غزة برا وجوا. وتقوم الفصائل الفلسطينية بوقف كل الأعمال العدائية من قطاع غزة تجاه إسرائيل، بما في ذلك إطلاق الصواريخ والهجمات عبر الحدود”. اعترفت “حماس” أن المقاومة “أعمال عدائية”. أما اليوم التالي، الخميس 22 نوفمبر، حين كان أنصار محمد مرسي يهتفون لقرارات لم يعلن عنها، فأعلنته “حماس” عطلة رسمية تحت عنوان “يوم النصر”.

ثقافتنا شفاهية، وتعليمات الدين لا تتجاوز الشفاه، فنردد دائما حديثا نبويا بعدة روايات، عن قدسية الدم الإنساني، حرمة يهون إلى جوارها هدم الكعبة. ولا نبالي بدماء أطفال تقتلهم إسرائيل على ساحل غزة، ولا أتخيل سقفا لغضبة العالم الإسلامي إذا أعلن بيان “هذا العام مش نافع حج”، ولو بذريعة إعادة ترتيب البيت من الداخل، وإنجاز المشروع الأكثر إنسانية، المنقذ من الضلال الطائفي والاستبدادي والعشائري، مشروع “الدولة”.

لن يهدم الدين بتعطيل مؤقت لركن فرضه الله لمن استطاع إليه سبيلا، وفي التاريخ “الإسلامي” تراجيديا أكثر عنفا، حين أمر “الورعُ التقيُّ” عبدالملك بن مروان بقتل عبدالله بن الزبير، أول مولود في الإسلام، ابن ذات النطاقين بنت الصديق. قتله وصلبه، واحترقت الكعبة التي شهدت في زمن لاحق صراعا آخر، حين قتل القرامطة مصلّين أبرياء، وانتزعوا الحجر الأسود، واغترب 22 عاما.

انظر إلى خريطة العالم، تجد مواطني الاستعمار القديم، قد آمنتهم “الدولة” من خوف، وأطعمتهم من جوع، كما آمنت وأطعمت ضحايا الاستبداد العربي والإسلامي. ربما يكفّر الأحفاد في مرحلة ما بعد “الكولونيالية” عن خطايا أجدادهم.

انظر إلى الخريطة، ولا تقترب من مناطق تصدّر الإرهاب وتتنطع بالنطق باسم الله الذي ليس كمثله شيء. إنها بلادنا التي تجيد إنفاق المليارات على كافة أشكال النفاق الديني، ولا تحتمل الحق في الاختلاف، فتميل إلى التكفير ميلا عظيما.

قبل بضع سنوات رصد الخبير الاقتصادي المصري عبدالخالق فاروق رقما أنفقه المصريون عام 2008 في رحلات العمرة والحج، 2585 مليون دولار (18 مليار جنيه مصري)، نصيب مصر آنذاك 80 ألف حاج، والآن 90 ألفا، أما عدد المعتمرين عام 2008 فزاد على 1.5 مليـون مصري، أنفقـوا ما يكفي بناء أكثر من 30 ألف مدرسة.

يحرص العاطلون على نظافة ثيابهم، وحسن هندامهم، أما البنّاءون فيعنيهم إتقان ما يشيدون، ينظرون إلى الأبعد من المظاهر، ويغنيهم التحقق عن الوجاهة الزائفة، ويشبعهم عن النظر إلى ما في أيدي الآخرين، كما يُشبع الغربَ “الكافر” أن يقدم “ما ينفع الناس”، ولا تنشغل نساؤه بإهدار ربع ما تنفقه نساء بعض المجتمعات “الإسلامية المغلقة المنغلقة” على أدوات الزينة، فتصير نساؤهن “أحرارا”، دون نون النسوة، مثل الأحرار الرجال، بعضهم من بعض، وتظلُّ المرأة في مجتمعات “إسلامية مغلقة منغلقة مكبوتة” كائنا مقهورا، يقهره مقهورون.

المبالغة في الحرص على مظاهر الدين تحتاج إلى تفسير نفسي، هناك مستفيدون من هذه الغيبوبة، يشيعون اليأس، ينفرون ولا يبشرون، يعدون الناس بالعذاب، ليظل لوجودهم مبرر، ويستمر دورهم دعاة إلى جنة في خيالهم، بعيدا عن جوهر الدين، ومقاصد الشريعة التي تدور مع مصلحة الناس، وليس من مصلحة الناس أن يحج فقير أو يعتمر باقتراض أموال، أو بالتقسيط، ولكنه يفعل لأنه يكاد يقنط من العدل في الدنيا، فيحجز لنفسه مكانا في الآخرة.

مشروع “الدولة” ينهض على القانون، لا على مكارم الأخلاق، دينه القانون لا العبادات واستقامة العقائد. في موقعة أحد هزم المسلمون، وفيهم رسول الله، لأنهم أهدروا قانون الحرب، فانتصر عليهم خالد بن الوليد، وهو على غير الإسلام.

مشروع “الدولة” لا يهدف إلى هداية الناس إلى الإسلام، وإنما إلى تحقيق العدل بين “المواطنين” وضمان حرياتهم، ويتركهم أحرارا، “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ولا علاقة لمشروع “الدولة” بالدار الآخرة، فالله يحكم بينهم يوم القيامة.

مشروع “الدولة” لا يجب تأجيله، بأي حجة… إرهاب داخلي، مؤامرات خارجية، استعداد لحرب، استمرار معركة قائمة. وجود “الدولة” وحده يضمن القوة الكافية لسلامة البنيان الداخلي، والقدرة على كسر أي عدو، وفي غياب “الدولة” تُهدرُ قيمة الإنسان، وبإهدار إنسانيته تنهار الدول الاستبدادية، والنماذج كثيرة، من ألمانيا النازية، إلى بعث صدام حسين، وعبث معمر القذافي.

منذ الاستقلال تعطل مشروع “الدولة”، بدعوى المرور بمرحلة “حرجة وحساسة”، معركة بناء داخليـة، ومعركة مع العدو، وجاء الحصاد مرا، ففي غيـاب “الـدولة”، بما تعنيه من عدالة وشفافية ومحاسبة وتداول للسطة، انهارت المشاريع الوطنية، واحتلت الأرض، وظللنا أسرى استبداد عشائري أو عسكري، أنظمة أصغر من وعي المواطن العربي في إدراكه أن إسرائيل، التي تواجه عدوا هو نحن، لم تؤجل الديمقراطية.

في ظني، وبعض الظن ليس إثما، أن “الدولة” هي الأمانة التي حملها الإنسان، ولا يكتمل إيمان مؤمن، ولا إنسانية إنسان إلا في ظلالها، فعدالتها تسع كل شيء.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر