الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

عقبات أمام التكامل المغاربي

عدم تفعيل مقومات الوحدة المغاربية القائمة تاريخيا، وعدم إخراج الاتحاد المغاربي من غرفة الإنعاش طوال هذه المدة، يعدان من العوامل الجوهرية التي تعطل التكامل الاقتصادي والثقافي والتعليمي.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/09/25، العدد: 9690، ص(8)]

حتى الآن لا تزال الحدود بين الجزائر والمغرب مغلقة ويزداد تصفيحها جرّاء إصرار النظام الجزائري على الاستمرار في هذا السيناريو المتناقض مع مصلحة المواطنين والمواطنات في كلا البلدين.

بالإضافة إلى هذا المشكل المزمن، فإن الجارة ليبيا تشهد وضعا أمنيا خطيرا قد يجرَ البلد إلى استنزاف دموي طويل الأمد يؤدي به إلى تشظي نسيجه البشري، وإلى تلاشي ما تبقى من فسيفساء المجتمع القبلي القديم الذي كرسته سياسات القذافي، وهو وضع ينذر بمخاطر أمنية قد تمتد نيرانها إلى الدول المجاورة عاجلا أو آجلا.

ويلاحظ أيضا أن تونس قد تُركت تصارع لوحدها المشكلات الناتجة عن المرحلة الانتقالية، حيث تقدم لها المساعدات المادية بالدرجة الأولى، على الأقل في إطار التعاون الثنائي، لمساعدتها على تجاوز صعوبات هذه المرحلة إلى برَ الأمان.

والجدير بالذكر هنا أيضا هو أن موريتانيا عوملت، ولا تزال تعامل، وكأنها مجرد دودة زائدة في المنطقة، وهنا نرى أن عدم تفعيل مقومات الوحدة المغاربية القائمة تاريخيا، وعدم إخراج الاتحاد المغاربي من غرفة الإنعاش طوال هذه المدة، يعدان من العوامل الجوهرية التي تعطل التكامل الاقتصادي والثقافي والتعليمي، وحلَ غيرها من القضايا العالقة التي ما فتئت تخلق التوترات وتصعّد درجة الخلافات والفرقة، وتلعب دورا محوريا في تغليب كفَة الدولة القطرية بركيزتها الجغرافية الضيقة على الوحدة المغاربية بركيزتها التاريخية.

من البديهي القول إنَ الفضاء الجغرافي المغاربي الشاسع والغني بالثروات هو بمثابة شبه قارة قادرة على استيعاب أكثر من مليار نسمة، أما من الناحية التاريخية والروحية، فإن هذه المنطقة المغاربية تملك الكثير من العناصر المشتركة التي تؤهلها لأن تصنع الوحدة التي تجعل منها كتلة متراصة تنافس ثقافيا وحضاريا واقتصاديا وبشريا التكتلات الكبيرة في المحيط الأوروبي المجاور لنا وفي العالم.

وأكثر من ذلك فإن ماضي بلداننا المغاربية يشهد على نضالها المشترك الذي لعب دورا محوريا في مقاومة الاستعمار الأوروبي، وكان ذلك الإنجاز الضخم ثمرة للتضامن الشعبي المغاربي الوثيق الذي لم تقدر الأساطيل والجيوش الاستعمارية على أن تنتصر عليه.

من الناحية التاريخية أيضا، فإن المنطقة المغاربية قد جرَبت أشكالا من الوحدة الناجحة سواء قبل الإسلام أو بعده، ويمكن لأي إنسان أن يعود إلى كتب التاريخ ليتحقق من ذلك النجاح، ولعل نموذج دولة الموحدين خير مثال على ذلك، لأنه في ظلها تم توحيد المنطقة وأسفرت تلك الوحدة عن بناء ثقافة ذات أبعاد روحية غنية، وحساسية تاريخية صلبة مشتركتين من طنجة مرورا بموريتانيا والجزائر وتونس، وانتهاء بتخوم طبرق المفتوحة على المشرق العربي.

على ضوء ما تقدم نستطيع القول بأن حاضر الدول المغاربية المتمركزة قطريا متخلف نوعيا عن ماضيها الوحدوي. لاشك أنَ تأسيس هيكل الاتحاد المغاربي قد اعتبر في البداية بمثابة الأمل لإعادة الروح إلى تلك الحقب التاريخية التي تميّزت بالوحدة والتضامن والشراكة، وكما نظر إليه كدافع حيوي تم الرهان عليه لتجاوز واقعنا المبعثر في شكل دول منفصلة عن بعضها البعض إداريا واقتصاديا وأمنيا وثقافيا وخيارات سياسية، ولكن هذا الاتحاد لا يزال إلى يومنا هذا هيكلا بلا روح، حيث لم يتجاوز إطار الدولة- الأمة المنعزلة ذات الأصول والمرجعيات الأوروبية التي قطع عنها الصلة، هيكل الاتحاد الأوروبي المعاصر.

كما أن الاتحاد المغاربي لا يزال غالبا في وضع جامد، وأسيرا للتناقضات المختلفة بما في ذلك التناقضات التي يفرزها موروث الاستعمار الأوروبي، ومنطق السياسات القطرية التي تُرسم دون إشراك القوى الشعبية المغاربية الممثلة في أشكال المجتمع المدني المنظم، وفي شرائح المواطنين البسطاء.

وهكذا فإن واقع الفضاء المغاربي يهدَد فعلا المصير المشترك لأن السائد حاليا هو المصير القطري الذي يختزل في حماية كل قطر لحدوده ولمصالحه الخاصة به.

إن هذا التوجه السلبي بارز في الخيارات الاقتصادية والمناهج التعليمية والأمنية والإعلامية القطرية، التي تترجم حرفيا في مجال العلاقات الدولية التي تربط بين الدولة القطرية مغاربيا وبين الدول الأجنبية في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية والقارات الأخرى. إنَ صيغة هذا المصير القطري تتمثل أيضا في سياسة تعميق الانفصال بين المواطنين مرة بدعوى الحفاظ على السيادة الوطنية، ومرات جراء النكوص إلى ميراث مشاكل مترتبة عن الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الأوروبية. في ظل تضييق مساحة المصير، فإننا نرى أمامنا خريطة غير متجانسة على جميع الأصعدة على امتداد الفضاء المغاربي.

إن المصير المشترك الحقيقي يتمثل في بناء الهوية الأمنية المغاربية المشتركة بجميع أنواعها، بما في ذلك تأسيس الأمن الاقتصادي المغاربي الاستراتيجي المبني على قواعد التكامل.

في هذا الإطار، بالذات، فإن من يتأمل خارطة اقتصاديات البلدان المغاربية، لا يجد فيها تعاونا حقيقيا يؤسس عمليا للتفاعل وتبادل الاعتماد صناعيا وزراعيا وفلاحيا وسياحيا.

أما على صعيد الأمن الثقافي والتعليمي، فيلاحظ أن الدول المغاربية لا تعمل في إطار منهج تكاملي، وعلى ضوء مشروع يفضي مستقبلا إلى تأسيس الروابط التعليمية والثقافية الجامعة لتكريس منظور وتطبيقات تنتج وحدتها رويدا رويدا.

وفي الحقيقة فإنَ التشرذم الثقافي والتربوي/التعليمي في الفضاء المغاربي هو سيد الموقف ويتجلى، مثلا، في عدم انسجام المنظومات التربوية وفي غياب توحيد برامجها ومؤسساتها، وفي الإعلام القطري الذي يتغذى من التوجهات الوطنية المغلقة على نفسها. فالتركيز يتم، قطريا، على المصلحة المحلية لكل بلد ولا يتجاوز ذلك إلى تفعيل القسمات التي تربط أجزاء الفضاء المغاربي كله، ومن هنا فإننا نرى ضرورة إعادة النظر جذريا في مفهوم الأمن وتوسيعه، وعدم حصره في حراسة هذا القطر أو ذاك لحدوده فقط، كما ينبغي أن ندرك أن أمن كل دولة على حدة وعلى نحو منعزل، لا يخدم الأمن التاريخي المغاربي الشامل في عصر التكتلات الكبرى.

من العوامل التي تؤخر الشروع في بناء التصور لوحدة مغاربية نذكر ما يلي:

1 - الاستسلام لثقافة النكوص إلى مخططات التقسيم التي كرستها مرحلة الاستعمار ومخلفاتها السلبية، والسقوط في فخ إعادة إحيائها وتحويلها إلى جدار عازل.

2 - انعدام ميثاق مغاربي موحد ومنتخب من قبل الجماهير المغاربية يرسم ويرسّم صيغة التكامل، والآليات الملائمة لتنفيذه على جميع المستويات، وبسبب غياب هذا الميثاق، فإن الخصوصيات التي تُميّز كل قطر مغاربي اقتصاديا واجتماعيا وإثنيا قد حوَلت إلى مشكلة بدلا من معاملتها كثروة وكعناصر تصنع منها الوحدة المركَبة. وفي هذا السياق فإن المسؤولين في الفضاء المغاربي لم يأخذوا العبرة من الاتحاد الأوروبي المؤسس على التنوعات، والخصوصيات التي نسجت ولا تزال تنسج معمار الهرم العام للتكامل والوحدة الأوروبيين.

عندما نتحدث عن ضرورة بلورة مشروع الوحدة المغاربية، فإننا لا نقصد من ذلك إلغاء الحدود بين ليلة وضحاها، أو إنزال الأعلام الوطنية دفعة واحدة، لأن الوحدة لا تبدأ من النتائج النهائية، وإنما هي حصيلة بناء الأسس المادية والرمزية (الثقافية والنفسية) أولا.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر