الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

بلاد تبحث في الدساتير عن حروف اسمها

نموذج الدستور العربي، يفسر أزمات نظام الحكم العربي، وكذلك أزمة الإسلام السياسي من خلال التذبذب بين تأسيس المدينة الفاضلة، والانتماء إلى العصر بكل ما فيه من تحديات.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/09/26، العدد: 9691، ص(8)]

"كن مسالما، كن على درجة عالية من التهذيب، احترم القانون، احترم الجميع ولكن.. إن وضع شخص يده عليك، فأرسله فورا إلى المقبرة". بهذه الكلمات اختصر “مالكوم اكس” علاقة الفرد بالمجتمع وبالقانون في الولايات المتحدة في حقب سابقة، فبإمكان ذلك المواطن، وهو المطيع المسالم، أن يتمرد ويثور إذا مست كرامته ويذهب بالشخص الذي يتعرض له إلى حتفه، دون أن يتروى في الاحتماء بدستور أو قانون وضعي.

هذا المثال يحيلنا إلى علاقة الفرد بالقانون الوضعي وإمكانية أن تتغير أحواله وقناعاته، ويتغير الزمن وتتغير العلاقات والظروف التي استدعت إنشاء هذا القانون أو ذاك مما يتطلب إعادة النظر فيه، بما في ذلك الحيلولة دون أن يلجأ الفرد للانتقام لنفسه بقتل الآخر سواء كان ممثلا لسلطة أو غير ذلك وأن يكون القانون حاميا. وإذا ذهبنا بهذه الاشكالية إلى ما هو أهم، إلى التشريع الأهم الذي ينظم حياة شعب وأمة ممثلا في الدستور، فإن القصة تبدو أكثر تعقيدا مما نتصور.

وبادئ ذي بدء لابد من تفنيد مقولة أن كل أمة وكل شعب لابد له من دستور، ومن دونه ستعم الفوضى، والدليل على ذلك مثال المملكة المتحدة التي تستند إلى سلسلة من القوانين والأعراف التي تنظم الحياة السياسية والاجتماعية، وسائر فعاليات وشؤون الحياة، لكن في المقابل كانت هنالك دساتير ذائعة الصيت لأمم ناهضة ومتطورة على كل المستويات والأصعدة وكانت لها أدوارها المشهودة في الحضارة الإنسانية، ومن الأمثلة على ذلك الدستور الفرنسي الذي واكب الثورة الفرنسية، والدستور الإيطالي، والدستور السوفييتي وغيرها من الدساتير.

ولعل المحور الأهم فيما يتعلق بتلك الدساتير مجتمعة، هو محور مصدر التشريع والحقوق المدنية وتسيد مبدأ المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتنمية المستدامة والحقوق الإنسانية الأساسية، هذه الحزمة هي جوهر الدساتير في العالم المتحضر وفي أوروبا خاصة، بعدما ذاقت الويلات من سطوة الكهنوتية السلطوية والاستبداد، وعدم استيفاء مفاهيم العدالة الاجتماعية، وبعد حروب أهلية وصراعات وويلات.

أما إذا سحبنا الأمر إلى واقع الدساتير العربية، فسنكون أمام عدد غير محدود من الإشكاليات البنيوية الحادة، فقد ظل النظام السياسي ونظام الحكم في العالم العربي يغازل (الحاكمية لله) ويتحاشى التقاطع مع أحكام الفقه الإسلامي، ولكنه، في الوقت نفسه، لم يسنَّ دستورا إسلاميا تقام فيه الحدود وتسن فيه التشريعات على أساس ذلك الفقه ويعجز نظام الحكم ذاته على أن يسن دستورا حداثيا متطورا يتناسب مع مستحدثات العصر ويقيم نظام حكم مدني يؤمن بقدسية المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي على السلطة عبر الانتخابات، وفي أقلها على مستوى الانتخابات البلدية والتشريعية.

إن المثال اليمني والمثال العراقي والمثال الليبي وغيرها من الأمثلة الصارخة على الاضطراب والتشويش في الرؤية، فيما يتعلق بالحقوق الدستورية وتداول السلطة التي تتحول فيها المعطيات الدستورية إلى ضرب من ضروب الفوضى أو استغلال الدستور لتمرير المآرب والأهداف الفئوية، هذا إذا أضفنا الملك العضوض نموذجا للتحكم القبلي الدائمي الذي لا يعترف أصلا لا بدستور ولا قانون، ولسان الحال يقول أنا الدستور والقانون والقانون والدستور أنا.

وفي وسط هذه الازدواجية المريرة يتم ترقيع دستور النظام العربي من هنا وهناك، إذ يتم انتقاء ما يخدم النظام من تشريعات وقوانين حداثية لا تؤذي نظام الحكم، مع مسحة من المصالحة مع التشريعات الإسلامية والفقه الإسلامي لكي تسترضي الشارع المتدين، وبذلك أبدع نظام الحكم العربي في الإتيان بـ”كولاج” دستوري فريد من نوعه.

وتجد البلبلة واضحة في إيجاد توازنات أخرى عندما يتعلق الأمر بالإسلام السياسي، ساعة أن يتبوأ السلطة، فنظام الحكم العربي لا يستطيع أن يكون معزولا، ولا منفصلا، عن النظم المالية الرأسمالية العالمية الكبرى على سبيل المثال، وهي التي تتحكم في الاقتصاد العالمي بالمطلق، وركيزتها الأساسية المضاربة والأرباح الربوية التي تشكل الركيزة الأساسية لأسواق المال، فكيف يمكن الخلاص من هذه الازدواجية التي تستفرغ كثيـرا من الشعارات التي تخدر شرائح واسعة من البسطاء الذين لا يعلمون ما هو مخفي وراء الأكمة.

إن نموذج الدستور العربي (الكولاجي) أي القائم على القص واللصق، يفسر جوانب مهمة من أزمات نظام الحكم العربي، وكذلك أزمة الإسلام السياسي من خلال مأزق التذبذب بين تأسيس المدينة الفاضلة من جهة، والانتماء إلى العصر بكل ما فيه من إشكاليات وتحديات لم يصمم ذلك النظام نفسه لمواكبتها، فبرزت هزيمته الكبرى أمام تحدي المواطن وحقوق المواطنة الذي بقي ضحية بلاد تبحث في الدساتير عن حروف اسمها.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر