الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

'إن كان له مكان'

كان من مطالبات الشباب العربي التي جاوزت الآفاق، حق المرء في العالم العربي في الحياة 'إن كان له مكان'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/09/26، العدد: 9691، ص(24)]

كان من أهم الأمثلة التي تعلّمناها من المرويات الشفهية لعالم الصحافة، قصة الصحافي اللبناني أنطون الجميّل رئيس تحرير الأهرام المصرية، الذي وصل إليه نعي لمتوفٍ في وقت متأخر من الليل، قبل الطباعة بدقائق، فكتب على الورقة ذاتها ملاحظة لعمال الصف والجمع العبارة التالية “إن كان له مكان”، ويقصد “انشروا الخبر إن كان له موضعٌ في الصفحة”، لتصدر صحيفة الأهرام في الصباح التالي وقد نشر عليها ما يلي: “مات اليوم فلان الفلاني أسكنه الله فسيح جناته.. إنْ كان له مكان”!.

ومن يدري هل سيكون هناك مكانٌ في فسيح الجنات أو مهاوى جهنّم، لمن يفنى اليوم في العالم العربي، فلم يعد يُعرف من هو السائر على الصراط الحاد كالشفرة نحو الخلود في الفراديس، ومن ذلك الذي يتردى نحو سود أعماله، فالدرس الكبير والتاريخي الذي تتلقاه الشعوب اليوم بعد درس الحرية الصعب، هو فهم ماذا يمكنك أن تفعله بالحرية، إن حصلت عليها بالطبع، فشهور من الحرية بعد انطلاق الربيع العربي، كانت كفيلة بإظهار كل شيء مكبوت لدى الشعوب ومعارضاتها المهترئة وحكّامها الدمويين، وليس ما أراده الشباب الذين أشعلوا الانتفاضات هو مجرّد “كل شيء”، بل أرادوا أن ينيروا حياة شعوبهم بالأفضل والأكثر حداثة والأكثر تطورا وخدمة للإنسان ومستقبله.

أما الحرية التي فجّرت ينابيع الجهالة فليست من مطالب ربيع العرب، فلا يحق لك في مناخ الحرية أن تجرّ الناس إلى التاريخ، السني منه أو الشيعي، وكان من مطالبات الشباب العربي التي جاوزت الآفاق، حق المرء في العالم العربي في الحياة “إن كان له مكان”، وحقّه في التعلم “إن كان له مكان”، وحقه في التطوّر “إن كان له مكان”، وحقّه في الرنو إلى مصافّ الأمم الأخرى ومتابعة تاريخه من ماضيه إلى مستقبله “إن كان له مكان”.

لا يمضي قرنٌ من الزمان، إلا وتحرّكت فيه قارّة من قارات العالم، لتغيّر في حياتها الكثير، فماجت وهاجت مع تلك الحركة الملايين، ولم تقعد ولم تسترح إلا وقد بات التغيير حتميا واقعا، بغض النظر عن بداياته وشخوصه وعثرات طريقه.

ولم تكن كلمات أنطون الجميّل التي كتبها على حاشية الخبر، إلا ما كان يحدّث به نفسه وقتذاك، في قصة حبّه لمي زيادة الكاتبة الشامية المصرية التي وقع في هواها جبران خليل جبران وعباس محمود العقاد وآخرون كثر، فكتب لها الجميّل في إحدى رسائله إليها في العام 1912:”لعل تلك الأرواح تطل علينا من عالمها الثاني وتشاركنا في دموعنا وابتساماتنا، ولا شك أنها ترثي لحالنا بل تضحك منا. تضحك من أفراحنا ونحن نعتقد أنه لم يعرف الفرح أحد قبلنا، وتضحك من احزاننا ونحن نتوهم أنه لم يشعر بالحزن في قلب غير قلوبنا، هذه السطور يا ميّ علّقيها على حاشية يومياتك بحرف ضئيل، ولعلك فاعلة، فينعكس عليها شيء من نور فكرك الثاقب يجعل لها بعض الرونق في عينك المتأملة”.

لم تلتفت مي زيادة لعشق أنطون الجميّل المتوقّد لها، ومات وفي حياتها “لم يكن له مكان”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر