السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

أربع صواني مرق

ضاعت طاسة اليمن بعد ثورته التي استولى عليها الإسلاميون وخطفوها من شبابها، بعد أن كان اليمن في الماضي سعيداً حقاً.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/10/03، العدد: 9698، ص(24)]

ذات يوم قال أحد رجال الدين اليمنيين للشاعر الكبير عبدالله البردوني الذي أصدرت هيئة الأمم المتحدة عملة فضية طبعت عليها صورته:”يا بردوني أنت شيوعي ويجب قتلك” فأجابه البردوني على الفور: “حافظ على حياتي فأنا مصدر رزقك، لأنك تخوّف بي دول الجوار وترعبهم بالشيوعية، ليغدقوا عليك المال”.

وهكذا كان، ليظل اليمن بعيدا ونائيا، لم يعرفه أحدٌ كما عرفه أهل الجزيرة العربية، السعودية وضفاف الخليج العربي، حيث انتشر أهل العمائم والوزرات و”الجنبيات” المعقوفة بأرواحهم الخفيفة كورق التبغ وطحين البن اليماني، ليعملوا في مجالات شتى، من الحرف اليدوية إلى الزراعة والصناعة والتجارة والطرب، فكان أكثرهم شهرة وأنجحهم تجارة، الحضارم الذين بنوا المجتمعات التي عاشوا فيها بالعزيمة والتفكير الخلاق.

ولكن العرب تعاملوا مع اليمانيين طويلا على أنهم شعبٌ بسيط، فسخروا من لهجاتهم، ونطقهم للجيم على الطريقة المصرية، والقاف على لغة الحجاز العتيقة، ومن ملبسهم ومن تخزينهم للقات، نقطة ضعفهم الكبرى، ولم ينفع أهل اليمن انقسامها سابقا، ودخولها عالم المحاور واليسار والدور الوظيفي الملغز خدمة لمشاريع دولية كبيرة.

ولم ينفع أهل اليمن تبسّطهم، ولا طربهم ولا براعتهم في التجارة، بل دخلوا سوق الجهاد من بابه الواسع، فكان المعلّم الكبير للقاعدة يمانياً كما هو معلوم، أسامة بن لادن وليس غيره، ثم أنور العولقي اليمني المولود في نيو ميكسيكو في أميركا، ثم بدأت السبحة تكرّ، فتقدّمت إيران لتستثمر في الزيدية، وتحوّلهم إلى “أنصار الله” بقيادة “سيد” من أبناء الحوثي، وضاعت طاسة اليمن بعد ثورته التي استولى عليها الإسلاميون وخطفوها من شبابها، بعد أن كان اليمن في الماضي سعيداً حقاً، قبل دخول جيش جمال عبدالناصر إلى مجتمعه المسبوك، وتخريب العلاقات ما بين الخلق فيه بحجة التطوير وتصدير الثورة الناصرية المستبدة.

ومن روح اليمن كانت روح البردوني، الذي عاش متهكماً على الحياة وما فيها، مليئاً بالمعرفة والفكر الحر، وكذلك بالنقد اللاذع الحاد، جاءه مرةً أحد مدّعي الثقافة وكان يتفاخر بأنه أقوى ذاكرة من البردوني الذي سأله: ” يا فلان من هي نخلة بنت عامر؟”، فأجاب الشاعر: “هي صحابية جليلة شاركت مع الرسول في أكثر من غزوة”، وعندما خرج الرجل، انفجر البردوني ضاحكاً وهو يقول: “نخلة بنت عامر هي أمي”، وكان البردوني صادمأً لا يجامل أصحاب المناصب الكبيرة، ففي لقاء له مع أحد المسؤولين اليمنيين الكبار، سأله الرجل بخبث:” يا أستاذ عبدالله لماذا لا تكتب لنا عن الديمقراطية والحرية؟”، فأجاب البرودني على الفور: “لأن الغيبة حرام”.

قال شاعر اليمن الراحل عبدالله البرودني يوماً:” فظيعٌ جهـلُ مـا يجـري وأفظـعُ منـه أن تـدري/ ولو تدرينَ يا صنعاءُ مَن المستعمرُ السرّي؟/ غُزاةٌ لا أشاهدهم وسيفُ الغزو في صدري”، وكان أبرز ما تداوله العرب عن أرض عمرو بن معد يكرب وسيف بن ذي يزن وبلقيس في الزمن الحديث، أغنية شعبية يمانية تقول يا “بنات المكلا يا شفا لكلّ علة” وقبلها “ياليت عندي عصيدة وأربع صواني مرق”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر