السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

فقه الدولة الإنسان الفرد أولا وأخيرا

لم تنهض 'الدولة' في التاريخ 'الإسلامي' إلا في ظل حكم علماني، لا يفرق بين المواطنين بسبب الدين، وإن وجد بعض الاضطهاد المذهبي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/10/07، العدد: 9700، ص(8)]

حين قلت إن “الدولة” هي الفريضة العربية الغائبة، كنت أعني أنها شأن بشري، اجتهاد إنساني، عقد اجتماعي بين الناس، يتوصلون إليه بعد معارك فكرية، وأحيانا صراعات وحروب دامية يزج فيها باسم الله وكتابه ورسوله، إلى أن يصح الصحيح، وتتحقق مقاصد الشريعة، وهي مصالح الناس، بإرساء العدل بين “المواطنين”، وهذا جوهر الإسلام الذي اكتشفه الإمام محمد عبده في أوروبا، نهاية القرن التاسع عشر، حين فوجئ بوجود “الإسلام” من دون مسلمين.

حين كتبت أن “الدولة” هي الفريضة العربية الغائبة، تجنبت القول إنها “فريضة إسلامية”؛ فلا علاقة للدولة بالأديان التي لها رب يحميها. الدولة فريضة إنسانية، تنظم الحقوق والحريات، وتضمن العدل والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن دياناتهم. أما الغطاء الديني لأي نظام سياسي فكانت له عواقب كارثية، وكان الخروج من هذا التحالف باهظ الثمن، كلف البشرية عقولا وأرواحا خلقها الله لخلافته في عمارة الأرض، ولكن الكهنة أرادوا شيئا آخر.

عماد “الدولة” هو حرية الإنسان، الفرد الواحد الأحد، الذي يمتلك نصيبا في ثروات بلاده، ويمارس حقه في مراقبة حكومته، واختيار حاكمه، وحقه في عزله. لا يجبر هذا الفرد على التنازل عن شيء من حقوقه وحريته، بحجة أوهام منها اختلاق خطر داخلي، أو حقائق ذروتها نشوب حرب مع عدو خارجي. تتقدم “الدولة” بأقل الإمكانات الطبيعية والاقتصادية، إذا نال مواطنوها حريتهم كاملة، وفي ظلال الحرية يسهمون بإرادتهم الحرة في إطالة عمر الدولة، دولتهم. وتنهار النظم التي لا تبلغ درجة “الدولة”، ولا تعي فلسفتها التي تتلخص، بإيجاز مخل، في حرية المواطن، الفرد الواحد الأحد.

لم تنهض “الدولة” في التاريخ “الإسلامي” إلا في ظل حكم علماني، لا يفرق بين المواطنين بسبب الدين، وإن وجد بعض الاضطهاد المذهبي، فالمأمون والمعتصم نموذجان للحكم البشري، رغم تغنّي المهووسين بغيرة المعتصم، الوطنية أو الدينية، حين استغاثت به المرأة: “وامعتصماه”.

لا تنهض “الدولة”، مهما توفر لها من إمكانات اقتصادية وموارد طبيعية، إذا استهانت بإنسانية الإنسان، فبإهدار إنسانيته تنهار النظم الاستبدادية. وقد أحدثت الثورة الفرنسية تلك القطيعة، وفتحت للبشرية سبيلا إلى “الدولة”، رغم ضحايا الثورة نفسها من أبنائها، وأطماعها الاستعمارية في دول أخرى.

بنى محمد علي نظاما قويا في مصر، كان نظاما يحتاج إلى الفرد الحر لكي يصل إلى مستوى “الدولة”، ولكن تاجر الدخان الألباني كان يريد بناء “الدولة” مجانا، من دون أن يدفع الضريبة، وهي حرية المواطن الفرد. لم يكن يبالي بالإنسان، ويرى المصريين مجرد أدوات، بذور السمسم التي يجب أن يسحقها لكي يستخرج منها الزيت، على حد قوله. يذكر لويس عوض أن “دولة” محمد علي “لم تلتفت إلى بناء الإنسان من حيث هو إنسان”، ولم يكن المصريون يملكون القوة لمواجهة الرجل القوي، فأطلقوا عليه وهو المسلم لقب “باشا النصارى”.

وفي غياب الشعب الحر، لم يجد محمد علي سندا يحميه من تآمر الدول الكبرى التي أجهضت أحلامه في معاهدة لندن عام 1840. مات محمد علي محسورا، قبل زمن من موته الطبيعي، كان يشهد أحلامه المجهضة، ولم يؤثر عنه أنه ندم على عدم اعتصامه بالشعب. وبعد ثلاثين عاما سيعزل من الحكم حفيده إسماعيل عام 1879، ولن يخرج المصريون يطالبون ببقائه، لثقتهم بأنهم- رغم هامش الحرية والمجلس النيابي الفوقي- ليسوا أحرارا، وأن “البلد بلدهم”، بلد الحاكم والدوائر القريبة منه، وهي مقولة انتشرت بقوة في نهاية حكم حسني مبارك.

ولم يكن أكثر المتشائمين يظن أن ينهار الاتحاد السوفيتي، قبل الاحتفال بعيده الماسي. هذا أقصر عمر لإمبراطورية في التاريخ، وكان بعض الحرية الفردية يضمن للاتحاد السوفيتي عمرا أطول وعافية أشد، ولكن زهو القوة مع صعود ستالين لم يمنحه فضيلة تدبر المصائر، لكي يرى مصارع الأنظمة، إذا لم تحقق شروط “الدولة”.

ومن بين حكام مصر، يظل جمال عبدالناصر الأكثر حضورا بين آحاد المصريين وبسطائهم، رغم مرور 44 عاما على موته. هل يغفر له أنه أضاع فرصة ذهبية لتأسيس “الدولة”؟ كان مخططا أن يسقط نظامه بهزيمة 1967 كما انتهى محمد علي، ولكن الجماهير- التي لم تنعم بالحرية واستفادت من ثمار العدالة الاجتماعية وآمنت به وصدقته- خرجت لنصرته، وهتفت: هـ “نحارب”، ولم يخل الأمر من سخرية مريرة، حقيقية أو مفتعلة، استهدفت عبدالناصر شخصيا بشعار: “… لا تتنحى”، ومكان النقط لفظ جارح لا يصح أن يكتب في هذا المقال.

بثت الجماهير في “دولة” عبدالناصر روحا، ولم تصمد تلك الروح إلا بضع سنوات، ثم انهار ميراث عبدالناصر مع خلفه أنور السادات، لأن النظام لم يبلغ درجة “الدولة”، فما كان من السادات، في غياب “الدولة”، إلا أن وجّه الدفة في اتجاه آخر، وما زلنا في هذا التيه إلى اليوم.

لا أريد أن أمارس ما أتهم البعض به من استسهال إطلاق أحكام على تجارب بعيدة، ولكن الذي يمكن تعميمه أن الدكتاتور أول أعداء “الدولة”، وفي حين ينفق ببذخ على العلوم الطبيعية لا يعنى بالعلوم الإنسانية، سلوك نفعي يستهدف استثمار العلوم والتكنولوجيا في تثبيت أركان الحكم ورفع كفاءة الاستبداد، بعيدا عن صداع المتفلسفين. لا تتوفر لي الآن نفقات صدام حسين على علماء الفيزياء والكيمياء والطب، هؤلاء الذين استهدف كثير منهم بعد الغزو الأميركي في أبريل 2003. في بضعة أيام سقط النظام، ولم يترك غطاء يحمي العلماء، ذلك الغطاء هو “الدولة”.

بعد ثورة 25 يناير، أضاع تنظيم الإخوان والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، “مجلس طنطاوي” فرصة بناء “الدولة” باستفتاء 19 مارس 2011 الطائفي، أول الإجراءات الطائفية، وأخشى أن يميل نظام ما بعد 30 يونيو إلى أن يستبدل بحرية الفرد الواحد الأحد خرافة اسمها كرامة “الدولة” التي هي هذا الإنسان.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر