السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

فاتَني أن أقتل الخميني

لا ثورة أنهت استبدادا أطالت التوازنات الدينية والسياسية عمره، ولا الإخوان غابوا عن المشهد الذي يسمح بدعوات القتل في عيد الأضحى.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/10/10، العدد: 9703، ص(8)]

قبل ثلاثين عاما وبضعة أشهر قررت أن أقتل الخميني. لم نكن نعنى بأن يسبق اسمه لقب “الإمام”، أو “آية الله”؛ ونسخر قائلين إن القرآن يخلو من “آية الله الخميني”. كانت نية القتل محلها القلب، ولم تتح لي ظروف الحرب واستحالة الجغرافيا “شرف” تنفيذها.

ففي عام 1982 دخلت المرحلة الثانوية، بعد “إنجاز” تدمير تمثال في المدرسة الإعدادية وأنا في الصف الأول الإعدادي، واطمئنان قلبي بالإيمان الإخواني، ومنعتني المسافة بين قريتنا والقاهرة أن أنقل البشرى لعمر التلمساني، وأعترف له بأن قراءتي مجلة “الدعوة” قد أثمرت تحطيم أحد مظاهر الجاهلية، في قرية بعيدة تصلها مجلة الإخوان المسلمين، ويحرص على شرائها تلميذ يؤمن بكل ما قاله حسن البنا وما كتبه سيد قطب.

في ذلك العام، 1982، وأنا أتلقف- بلهفة مشتاق متجرئ على التكفير- كتبا تساعدني على أن أقول “هذا حلال وهذا حرام”، بالأحرى “هذا حرام وهذا حرام”، اشتريت كتاب “موقف الخميني من أهل السنة”، تأليف: محمد مال الله، والناشر: “دار المسلم” في القاهرة، وتوزعه مؤسسة أخبار اليوم، وثمنه 25 قرشا، وعدد صفحاته 64 تنتهي بقائمة كتب للمؤلف، وكلها عن الشيعة، منها اثنان منشوران، و17 تحت الطبع، أولها “الشيعة وتحريف القرآن”، و”سلسلة دراسات في الفكر الشيعي”.

أتذكر ذلك الآن، وأشعر بالأسى، كأن 32 عاما تفصلني عن ذلك التاريخ لم تزدنا إلا رغبة في استحلال الدم. مصر تراوح مكانها في هذه اللعبة، فلا ثورة أنهت استبدادا أطالت التوازنات الدينية والسياسية عمره، ولا الإخوان غابوا عن المشهد الذي يسمح بدعوات إلى القتل في عيد الأضحى. تغيرت الأسماء واكتسب التحريض تجليات جديدة. كنت أسافر إلى مدينة المحلة الكبرى، وأحتمل مشقة الوقوف في حافلة أكثر من 15 كيلومترا لشراء هذه الكتب، ولكن فرق التوقيت وفائض التكفير أوصلا هذه الكتب مجانا إلى من يصلّون صلاة عيد الأضحى في الخلاء.

في الخامسة عشرة قرأت خطاب محمد مال لله للخميني: “يا آية الله العظمى… إن لكم إلها غير إلهنا ورسولا غير رسولنا صلى الله عليه وسلم، وهذا القول ليس الذي أنا قائله ولكن قائله نعمة الله الجزائري حيث قال: إنا لم نجتمع معهم على إله ولا على نبي ولا على إمام”.

وتحت عنوان “الخميني ونكاح أهل السنة” يقول مال الله الذي لا يزال مجهولا لدي، ولا أدري هل هو مؤلف حقيقي: “لا يجوز للشيعي أن يتزوج من سنية”. وينقل عن عبد الله بن سنان “عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله أبي وأنا أسمع عن نكاح اليهودية والنصرانية؟ فقال: نكاحهما أحب إلي من نكاح الناصبية”. لم يتورّع عن نقل هذا الكلام زاعما أن مصدره كتاب “المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية” للشيخ حسين العصفور، وصدرت طبعته الأولى عام 1979 في منشورات دار المشرق العربي الكبير ببيروت، “وهو الكتاب الأول من مطبوعات جمعية أهل البيت لتحقيق وطبع ونشر التراث الإسلامي بالبحرين. وعندما انتبه أهل السنة بالبحرين لهذا الكتاب أخفاه الشيعة وأصبح نادرا وإن شاء الله تعالى أحصل على نسخة منه بواسطة أحد الأخوة”.

في تلك السن لم يشغلني أن يكون الكتاب موزعا بين دار نشر بيروتية وجمعية بحرينية، ولا عنعنات كثيرة في نصوص كتاب لم يره المؤلف، وكيف لكاتب أن ينقل عن سراب ما لم تأته به بينة/ نسخة، فيصيب قوما “بجهالة”. كل ما شغلني أن أقتل هذا الخميني.

في ظل الهوس الديني بعد ثورة 25 يناير، والمزايدات الإيمانية في فضائيات التكفيريين طوال عام الإخوان في الحكم، تخيّلت أن يكون هؤلاء قد مسهم طائف من كتاب يشبه كتاب مال الله، حتى إن مهووسا ساذجا تفاخر في وقت لاحق بقدرته على خداع لجنة الدستور الإخواني، وإقرار المادة 219 الطائفية: “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة”. وكان ضحاياها أربعة من الشيعة في قرية جنوبي القاهرة، قتلوا وسحلوا، وسط هتاف الفرحين بالنصر: “الله أكبر”.

قتل هؤلاء الشيعة على يد بسطاء مثلي، ربما قرأوا في صباهم كتاب مال الله، وعجزوا عن قتل الخميني، فأسعفهم وجود الشيعة لتكون “كلمة الله هي العليا”، وليس على القتلة إلا ذنب التأثر برئيس دولة إخواني، وسلفيين تكفيريين وسلفيين تجار على المذاهب الأربعة، محمد عبدالمقصود ومحمد حسان، إذ حرّضوا على الهواء مباشرة يوم 15 يونيو 2013 في مؤتمر باستاد القاهرة، على الشيعة: “هؤلاء الأنجاس الذين لا يعترفون بالنبي وآل بيته”

وفي عيد الأضحى السبت الماضي (4 أكتوبر 2014) ذهب المصلّون لصلاة العيد، نافضين عن أيديهم هموم المعيشة، وفي أيديهم أبناؤهم بملابس جديدة، فعاد الكبار والصغار وفي يد كل منهم كتيب في حمرة الدم، عنوانه “من هم الشيعة الإثنا عشرية؟”.

الكتيب باكورة “سلسة كشف حقائق الفرقة المنحرفة”، “تأليف عبد الله بن محمد السلفي.. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين”. الاسم كما ترى مراوغ؛ فلا تعرف أين اللقب؟ وأين الكنية؟ ولا كيف يكون “تأليف” كتيب يسجل غلافه القاني أنه: “طبعة جديدة ومنقحة”، وفي الداخل: “الطبعة الأولى 1428هـ- 2007م”.

في قرية “بنا أبو صير مركز سمنود غربية” وحدها وزعت آلاف النسخ، فمن ينفق ببذخ على هذا الأمر؟ وهل يعني مواطنين يشغلهم غلاء أسعار البذور والأسمدة والمبيدات أن يقرأوا أو يقرأ لهم أبناؤهم من الكتيب: “وهم القائلون: إن هناك مصحفا اسمه مصحف فاطمة، وإن فيه مثل قرآننا ثلاث مرات”، وليت “المؤلف” أتى بآية من المصحف المزعوم “ليهلك من هلك عن بينة”. ويستشهد “المؤلف” على “ضلال” الشيعة: “وهم القائلون: إن الله ناجى علي بن أبي طالب بالطائف وكان بينهم جبرائيل”.

المسلمون في مصر هواهم شيعي، وأغلبهم لا يعرفون هل هم سنة أم شيعة، ولا يعلمون أنهم شافعية، ويسمعون اسم الإمام أبي حنيفة عند الزواج، ولا يعنيهم هراء تبثه جمعيات سرية مازالت تحكم مصر، وتريد المشهد بلون غلاف هذا الكتيب.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر