الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

حيدرو وداعش والقطار

الحكاية الشعبية الجديدة تقول إن فصيلاً حزبياً تضامن منذ البداية مع أحد طغاة الشرق وحوّل نفسه من صاحب حقٍّ إلى وسيلة وأداة لتطبيق سياسات إجرامية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/10/10، العدد: 9703، ص(24)]

قرأتُ قديماً في الحكمة الشعبية الكردية أن امرأة مسنّة، لم يُبق لها الدهر أحداً، كانت تسكن في كوخ معدم في ماردين، حاربها الفقر حتى أن قررت أن تنتقم منه على طريقتها، وكان لها جارٌ ثري اسمه حيدرو، ولكن حيدرو وأسرته لم يكترثوا لحال جارتهم، ولم يرسلوا لها يوماً صحناً من الطعام أو قروشاً تشتري بها ما يشبع جوعها، فذهبت العجوز إلى الثكنة العسكرية وقابلت اليوزباشي الكبير فيها وكان شركسياً متديناً، وقالت له: “يا سيدي لي ابن وحيد يهملني ولا يطعمني” فقال لها اليوزباشي: “من هذا الولد العاق؟” فقالت: “اسمه حيدرو”، فأرسل اليوزباشي من يعتقله في الحال، وحين وصل قال له اليوزباشي: “حيدرو، هذه أمك المسكينة جاءت تشكو إليّ من عقوقك وسوء معاملتك”، فتلفت الرجل يميناً ويساراً، وقال: “أين أمي؟ هذه المرأة لا أعرفها”، فجنّ جنون اليوزباشي، وصرخ به: “وتنكرها أيضاً؟ ألا تخاف الله؟” وجلده بالسياط، حتى أخذ حيدرو يستغيث: “يا سيدي الرحمة، هذه أمي، أعترف لك بهذا وأتعهّد بأن أقوم بها وبنفقتها”، فأمره بأن يحملها على ظهره ويوصلها إلى البيت، ففعل وأخذ يقول للناس في الطريق:”هذه أمي، إن لم تصدقوا فاذهبوا إلى اليوزباشي وستصدقون”.

وقبل أيام، أضرب سائقو القطارات، وكنت على سفر بعيد، فاضطررت إلى البقاء أكثر من عشر ساعات بانتظار قطاري، وفي ذلك الليل الطويل، علت، فجأة، هتافات لمعتصمين في المحطة، فاقتربت لاستطلاع الأمر، وحين رأيت وجوهاً سمراء محببة، اعتدت عليها في بلادي، اطمأنت نفسي، وكان الجمع يهتف بحماس مطالباً بشيء ما لم أعرفه، ومع الوقت اتضح أن المظاهرة كانت تقول: “أوقفوا العرب الفاشيين، أوقفوا داعش، أوقفوا المجازر في كردستان”.

ولكن الحكاية الشعبية الجديدة تقول إن فصيلاً حزبياً، تضامن منذ البداية مع أحد طغاة الشرق، وحوّل نفسه من صاحب حقٍّ إلى وسيلة وأداة لتطبيق سياسات إجرامية مخالفاً كافة أبناء شعبه، فحارب وقتل السياسيين من أصحاب الحناجر الجريئة والمواقف الفكرية الواعية، وتلقى الدعم من مخابرات الطاغية وشكّل ميليشيات مسلّحة وحواجز أمنية تعتقل المدنيين، ولما نشأ التحالف الدولي لمحاربة داعش، بقيادة أوباما، أراد الطاغية أن ينضم إليه وينسّق مع الشيطان الأكبر والاستعمار والامبريالية و”العربان” كما يسميهم، فلم يقبله أحد، فقرّر تكليف الفصيل إياه بالقيام بتلك المهمة، وذلك بتقديم مدينة كاملة أضحية لداعش، فسلّطت إيران ومحورها وذيولها داعش ضدّه، فزجّ بالمقاتلات والمقاتلين المؤمنين بعدالة قضيتهم وحقّهم بتقرير المصير، ليكونوا شهداء، وليكون هو موطئ القدم الذي يدخل منه سيّده الطاغية إلى تحالف أوباما.

فتظاهر بأنه عاجز عن الدفاع عن شعبه، وأخذ يناشد العالم أن يدعمه عسكرياً على أنه ضحية لداعش، وأن يمدّه بالسلاح والعتاد، وترك العزّل الأبرياء من شعب تلك المدينة يرحلون مشردين في العراء لاجئين هاربين من ذبح الدواعش وسبيهم، فاختلط الأمر على الجميع، وأخذوا ينادون بنصرة تلك المدينة، واتهموا العرب بالتخلي عن قضيتهم، وخذلان شعبهم، والوقوف مع داعش باطنياً، واتضح أن الحل الوحيد عندهم هو أن على الجميع أن يقف مع الفصيل الذي باع نفسه للطاغية، ومن لم يفعل فهو عنصريٌ فاشيٌ عاقٌّ مثل حيدرو.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر