الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

عرب العراق السنة والحرب على 'داعش'

الحل في العراق سياسي، والدخول الجدي في هذا الحل الذي اقتنع به الأميركان الآن يتطلب الايفاء بالتزامات وطنية تسعى للخروج من الوادي السحيق للعملية السياسية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/10/13، العدد: 9706، ص(8)]

إدارة باراك أوباما تعبر عن ارتياحها بما بنته من تحالف دولي للحرب على تنظيم الدولة الإسلامية انطلاقاً من العراق ثم سوريا، رغم إصرار الرئيس الأميركي على عدم إرسال قوات أميركية برية إلى هذين البلدين، فما زالت آثار هزيمة القوات الأميركية في العراق ماثلة أمامه، لكنه لم يعترف بأن السياسة الأميركية في العراق ودعمها اللامحدود للفردية الطائفية حولته إلى “دولة فاشلة” رغم إنفاق ترليون دولار في هذا البلد. كانت النتيجة تهميش العرب السنة وإقصاءهم من الحياة السياسية الفاعلة، رغم ملء وجوه ديكورية للمشهد الطائفي في الدورات الانتخابية الماضية والحالية.

إصرار أوباما على عدم إرسال قطعات عسكرية إلى العراق بعد إعلانه الحرب الجديدة على “داعش”، لم يمنعه من الاعتراف بعدم امتلاكه إستراتيجية لمواجهة هذا الخطر الداهم على مصالح الأمن الأميركي، واعترافه كذلك بأن معلومات أجهزة استخباراته لم تتوقع حجم قوتها. مع ذلك خضع لرغبات جنرالات البنتاغون الشاعرين بضرورة مسح كوارث الهزيمة التي لحقت بمشروعهم، والخيبة التي تلفهم بالنتائج المخيبة للآمال في هزيمة القوات المسلحة العراقية أمام “داعش”، بعد أن كلّفهم بناؤها جهود ثماني سنوات وخمسة وعشرين مليار دولار.

المواجهة العسكرية الحالية وجدها أوباما حتمية بعد أن أصبح “داعش” خطرا على مصالح واشنطن في إقليم كردستان الزاخرة بالنفط وكنقطة إستراتيجية حيوية، لكنه وفق هذه الإستراتيجية الغامضة يحاول تقسيم ساحة المواجهة الواحدة في كل من العراق وسوريا إلى قسمين؛ الاهتمام بالأولى وإهمال الثانية رغم صعوبة ذلك وفق السياقات العسكرية، وهذا ما يزيد من غموض الأوضاع الحالية على الأرض. لكن أوباما لم يتردد في تلبية مطالب الجنرالات خصوصا أولئك الذين ابتدعوا نظرية “القضاء على القاعدة من داخل حاضنتها الاجتماعية العرب السنة”، بواسطة مشروع الصحوات الذي قرره وأداره الجنرال “بترايوس” في الأنبار عام 2006، ونجح في هزيمة القاعدة.

تعود فكرة المشروع مجددا على يد معاونه الجنرال “آلن”، منسق التحالف الدولي الجديد ضد “داعش”. لكن الواقع الجيوسياسي المقلق الذي فرضه التنظيم الإرهابي في كل من العراق وسوريا، يتطلب، خصوصا في العراق، وسائل استراتيجية وعسكرية ميدانية مختلفة عما حصل تجاه القاعدة، وقبل ذلك متطلبات سياسية، تأخذ بعين الاعتبار ما حصل لهذا البلد.

خلال السنوات العشر الماضية من أزمات في سلطة الحكم التي دعمها الأميركان حتى الأيام الأخيرة حين اكتشفوا أن نوري المالكي هو سبب رئيسي في الأزمة السياسية، ونفذوا خطة إزاحته و“توليد” حكومة جديدة برئاسة حيدر العبادي تحت حاضنتهم، ووفق نصائح ترتكز على ضرورة إعادة الاعتبار للعرب السنة، وأن يكون لهم دورهم في الحياة السياسية عبر قوانين وإجراءات فعلية وتحقيق المصالحة الوطنية.

ويبدو أن مشروع “الحرس الوطني” الذي ابتدعه الجنرالات الأميركان يدخل كعنصر مهم من عناصر قتال “داعش” من داخل الحاضنة العربية السنية، ويتم حاليا تداول وثيقة هذا المشروع داخل مجلسي الوزراء والنواب، ويبدو من خلال اطلاعنا على وثيقته الأولية أن له وظائف أخرى، إضافة إلى وظيفته العسكرية الطارئة التي تتعلق بمستقبل الحكومات المحلية لجميع محافظات العراق. والمشروع لا يخرج عن إطار المحاصصة الطائفية ونسبها لكل “مكوّن” في كل محافظة، بعد اختفاء “المكوّن الوطني” الذي يجمع بين العراقيين. ولعل مستقبل هذا التشكيل سيساعد على تنشئة “الأقاليم”، حيث سيكون إطارها الأمني والعسكري مثلما عليه وحدات “البيشمركة” في إقليم كردستان.

وهناك ارتباك داخل العملية السياسية، وتضارب في التصريحات الحكومية والحزبية حول الدور الأميركي الجديد في العراق، ومدى قبول المستجدات في سياسة واشنطن لإنصاف العرب السنة، التي تلاقي رفضا كليا أو جزئيا من الكتل الشيعية الممتعضة من إعطاء الحقوق وإعادة التوازن السياسي، وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، وإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء من السجون العراقية، وكبح جماح المليشيات المسلحة. مع أن العبادي قد ضمّنها في برنامجه الحكومي. إلا أن هناك اعتقادا واهما لدى بعض الأوساط السياسية الشيعية بأن أي خطوة انفراجية باتجاه إزالة الاحتقان وإزاحة مسببات الانتقام والكراهية وأدواتها ستعني عودة “البعثيين والعرب السنة إلى الحكم”، وما زالت محركات الوهم تقود إلى إطلاق وصف “داعش” عليهم، أو على كل من لديه ملاحظات وتحفظات على السياسات الطائفية.

ويخشى العرب السنة، رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه خلال السنوات العشر الماضية، من تنفيذ صفقة تستهدفهم وتجهزُ على حركتهم الاحتجاجية بخلطها بـ”داعش”، الذي يتحول عنوانه إلى سيف مسلط ضدهم وبأدوات من داخل الوسط العربي السني الذي له دراية بهذه اللعبة الخبيثة، لإرغام الجمهور العربي السني تحت دواعي حالة الحرب هذه على الانخراط كوقود فيها دون ثمن. اليوم يخشى من يطلقون على أنفسهم “الحراك الشعبي” ويُتهمون بإنهم إلى جانب “داعش”، من أن يلقون مصيرا أسود، بدلا من الاستماع إلى مطالبهم السياسية. وهذه مسؤولية الجنرال الأميركي “آلن” ورئيس الوزراء العبادي.

إن الحل في العراق سياسي، والدخول الجدّي في هذا الحل الذي اقتنع به الأميركان الآن يتطلب الايفاء بالتزامات وطنية تسعى للخروج من الوادي السحيق للعملية السياسية، ولن يكون تشكيل الحكومة الجديدة هو الحل. اليوم يتحمل العبادي مسؤولية تاريخية أمام شعب العراق لينقذ، إن أراد، ما يمكن إنقاذه، ويعيد للناس كرامتهم ويزيل الظلم عن أبناء العرب السنة، فهم لا يقبلون أن يكونوا مجددا حطبا لمصالح شخصية أو فئوية، بل يريدون للعراق أن يتعافى من “داعش” وجميع منظمات الإرهاب وميليشياته ويحافظ على وحدته الوطنية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر