الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

قد يكون

أرادت هذه الشعوب ألا تملك زمام أمورها، فتسيّد عليها من هب ودب، وتسيّد على هؤلاء من هم أقوى منهم، فبات حجم الشعوب كحجم النمل.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/10/17، العدد: 9710، ص(24)]

كان المغيرة بن شعبة أحد الدهاة العرب الأربعة، وقيل قديما: “لو كان لمدينةٍ سبعة أبواب لا يمكن الدخول من أحدها إلا بالمكر، لدخلها المغيرة من كل أبوابها”، ولكن رغم كل قصص دهائه الشهيرة فإنه قال يوماً: ” ما غَلَبَني رَجلٌ إلا مَرَّةً، أمرته أن يخطب لي امرأة، فقال: إني رَأَيْت رجلًا يُقَبِّلُها، فصرفت النظر عن خطبتها، ثُمَّ ذهب هو فتزوجها، فقلت: ألم تخبرني أنك رَأَيْت رجلًا قَبَّلها؟ قَالَ: نعم رَأَيْت أباها يقبلها”.

وكان واحدٌ ممن خلفوا المغيرة بعد أكثر من ألف عام، يقضي الوقت صامتا في الاجتماع الأول للمجلس الذي يترأسه، وكان ينظر في الوجوه، ويفرك يديه بين الدقيقة والأخرى، ويقول لنفسه: “لابدّ أن هؤلاء سيكون أول ما يقولونه لي: لماذا أوصلتم بلادنا إلى هذه الحال المأساوية؟” وبلع ريقه عدّة مرات، ولكن حين افتتحت الجلسة كان أول سؤال سمعه من الحاضرين: “هل ستتأخر رواتبنا ومستحقاتنا المالية؟!”.

وردت هذه الصورة في كتاب، وكان بطلها الذي وصف حاله بقلمه، بول بريمر الحاكم المدني للخاصرة الشرقية للعالم العربي، بعد احتلال بغداد وإسقاط نظام صدام حسين من أجل نشر الديمقراطية الأميركية.

أما المغيرة الذي بدأنا حديثنا به فقد قال أمامه عمر بن الخطاب يوماً: “من عَذيري من أهل الكوفة؟، إن ولّيتُ عليهم الضعيف حقّروه، وإن وليتُ عليهم القويّ فَجّروه”، فَقَالَ المغيرة بن شعبة: “أما المؤمن الضعيف فله إيمانه، وعليك ضعفه، وأمَّا الفاجر القوي، فلك قوته وعليه فجوره”، فولاه عمر على الكوفة، وولاه على البحرين فكرهه أهلها وشكوا منه فعزله عمر، فخافوا أن يعيده عليهم، وقرروا أن يتآمروا عليه عند الخليفة، فجمعوا مئة ألف، وأحضرها الدهقان إلى عمر فقال :”إن المغيرة خان الأمانة وأودع عندي ما سرقه”، فسأل عمر المغيرة فأجاب: “لقد كذب يا أمير المؤمنين، إنما كانت مئتي ألف، وليست مئة”، فقال عمر: “وما حملك على ذلك؟” فقال المغيرة: “كثرة العيال”، فجنّ جنون الدهقان، وأخذ يحلف أن المغيرة لم يُودِع عنده لا قليلاً ولا كثيراَ وأنها كانت مكيدة.

وكان يُدعى مغيرة الرأي قال لعليحين قُتل عثمان:”اقعدْ في بيتك ولا تدعُ إلى نفسك، فإنك لو كنتَ في جُحرٍ بمكة لم يبايعوا غيرك، و ابعث إلى معاوية عهده، ثم اخلعه بعدُ”، فلم يفعل، وكان ما كان.

وقال بول بريمر من جديد عما فعله الأميركيون في العراق: “هل ساهم ذلك في الانقسام الطائفي في العراق؟ قد يكون كذلك. إنه فعلاً لمن المؤسف أن ترى الناس لا ينظرون لأنفسهم كعراقيين إنّما كشيعة أو سنّة أو كُرد أو مسيحيين أو تُركمان”.

أرادت هذه الشعوب ألا تملك زمام أمورها، فتسيّد عليها من هب ودب، وتسيّد على هؤلاء من هم أقوى منهم، فبات حجم الشعوب كحجم النمل، من تلك الأعالي، طالما لم تفكّر سوى في مستحقاتها المالية، في لحظة تاريخية كتلك التي تحدث عنها بريمر، أو تلك التى رآها المغيرة في حديثه مع عمر عمّن يحكم العراق، هل إن المغيرة سيقول عن أي خطوة يخطوها في بلد بمكانة وحجم العراق: “قد يكون”!… كما قال بريمر.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر