الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

لكي لا يفلت المجرم من العقاب

توصيف أميركا للصراع الدائر منذ أكثر من عامين بين النظام وجزء واسع من شعبه بأنه حرب أهلية هو توصيف غير حقيقي وفيه تجن على ثورة السوريين التي خرجت تطالب بالحرية والكرامة والعدالة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/09/12، العدد: 9318، ص(8)]

استخدمت الإدارة الأميركية بعد الإعلان عن ضربتها العسكرية التي تزمع القيام بها كرد على جريمة استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين في منطقة الغوطة، مصطلح الضربة العقابية للنظام، وأعقبتها في معرض تبريرها لهذا القرار ودفاعها عنه أمام المعارضين لها من مجلس النواب الأميركي والرأي العام الأميركي مجموعة من المحددات التي ستلتزم بها، وأولها أن هذه الضربة لا تهدف للوقوف مع طرف ضد طرف في الحرب الأهلية في سوريا.

هذا الإعلان الأميركي الذي جرى التعبير عنه صراحة مرات كثيرة من قبل ممثلي الإدارة الأميركية يكشف عن حقيقة الموقف الأميركي من هذا الصراع المفتوح على فصول متجددة من المأساة السورية، وعن طبيعة الرؤية الأميركية له، بوصفه حربا أهلية لا تريد الولايات المتحدة التورط فيها.

وعلى الرغم من محاولة الإدارة الأميركية أن تضفي على تلك الضربة طابع الرد على تلك الجريمة بوصفها خرقا للقوانين والأعراف الدولية، إلا أن الدوافع الحقيقية لها لا تكمن في هذه الاعتبارات، بقدر ما تكمن في استهتار النظام بالخطوط الحمراء التي أعلنها رئيس أقوى دولة في العالم وعلى نطاق واسع تجاوز فيه المرات السابقة التي استخدم فيها هذا السلاح من حيث اتساع نطاق تأثيرها وعدد ضحاياها، ما شكل إحراجا حقيقيا لها، واعتبر بادرة أولى قد تشجع خصوم الولايات المتحدة مثل كوريا الشمالية وإيران على تجاوز كل الخطوط الحمر والنيل من هيبة الولايات المتحدة وتحديها، وهو ما سبق لديكتاتور كوريا الشمالية قبل شهور عديدة أن قام بها عندما أخذ باستعراض قوته النووية ضد الولايات المتحدة وضد مصالحها في شبه الجزيرة الكورية.

ولما كان نظام بشار الأسد جزءا من منظومة التحالف والتعاون الكوري- الإيراني فإن مجرد التهاون مع تجاوز هذا النظام سوف يشجع الأطراف الباقية على تحدي الولايات المتحدة والمضي في مشاريع امتلاك السلاح النووي لفرض هيمنتهم على مناطق نفوذهم على حساب مصالح الولايات المتحدة فيها، وهو ما صرح به أكثر من مسؤول أميركي أثناء الجدل الدائر حول مبررات الضربة الأميركية.

السؤال الذي طرحه السوريون تعليقا على هذا الموقف الأميركي والذي يلخص المأساة السورية مع المجتمع الدولي؛ هل قتل السوريين وبعشرات الآلاف وتدمير مدنهم وقراهم بالأسلحة الثقيلة من طائرات وصواريخ بالستية ودبابات مسموح به؟ وهل استخدام هذه الأسلحة من قبل نظام مجرم ضد شعبه لا يعد انتهاكا للقانون الدولي واستهتارا بالقوى التي تدعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية والمبادئ الإنسانية في العالم؟

ومع التطورات الأخيرة المتسارعة في القضية السورية بعد وصول أزمة النظام مع الإدارة الأميركية إلى حافة الهاوية، جاءت المبادرة الروسية المتفق عليها مع النظام والتي تقضي بإعلان الأخير تخليه عن سلاحه الكيماوي، فإن تلك المبادرة تنطوي على مناورة مكشوفة من قبل النظام والروس تهدف إلى حصر القضية في مسألة السلاح الكيماوي بصورة يعفي فيها النظام نفسه من أي سلوك عقابي على جريمته التي تعد جريمة ضد الإنسانية في العرف القانوني الدولي، الأمر الذي يستدعي من الولايات المتحدة أن تلتزم بما كانت قد أعلنته سابقا من أن الضربة العسكرية هي رد فعل عقابي على هذه الجريمة، لكي لا ينجح النظام في هذه المناورة السياسية التي تعفيه من مسؤولياته المباشرة عنها، بحيث يظل العقاب مرتبطا بالجريمة، دون أن يؤثر ذلك على المطلب الدولي بتدمير مخزوناته من هذا السلاح الفتاك.

إن توصيف الولايات المتحدة الأميركية للصراع الدائر منذ أكثر من عامين بين النظام وجزء واسع من شعبه بأنه حرب أهلية هو توصيف غير حقيقي وفيه تجن واضح على ثورة السوريين التي خرجت تطالب بالحرية والكرامة والعدالة، أو هو محاولة للتهرب من المسؤوليات الأخلاقية والإنسانية التي تترتب عليها، لتبرير عدم تقديم الدعم المادي والعسكري للشعب السوري المنتفض، فالثورة التي نادت بهذه المطالب لم تطلبها من أجل طائفة محددة، بل كانت تطالب بها من أجل كل السوريين لأن الظلم والتسلط والقمع الذي كان يمارسه النظام كان يمارس على السوريين جميعا، وإذا ما تقاعس قسم كبير من بعض الطوائف الأخرى عن المشاركة في هذه الثورة لأسباب سيكولوجية وهواجس خاصة بهم عمل النظام على تكريسها طوال عقود فإن ذلك لا يبرر النظر إلى هذه الثورة على أنها حرب أهلية.

صحيح أن النظام وأصحاب القرار في مؤسساته الأمنية والعسكرية التي تحتكر كل شيء في سوريا هم من لون طائفي محدد، لكن الثوار السوريين لم يألوا جهدا وسعوا وما زالوا لاستقطاب جميع السوريين من الطوائف الأخرى إلى جانب ثورتهم، والدليل على ذلك هو الفرحة الكبيرة التي كانت تنتاب الناشطين والثوار عند قدوم عدد من أبناء الطوائف الأخرى للمشاركة في تلك التظاهرات أو عندما يجدون يد العون تمتد لهم من قبلهم. في مدينة دوما التي تعد من معاقل الاتجاه السلفي في ريف دمشق كان الاحتفاء بمشاركة النساء المسيحيات وبعض الطوائف الأخرى لا يوصف، بل كان العديد من النشطاء هناك يعرضون أنفسهم للخطر لكي يحموا هؤلاء النساء من رصاص الجيش النظامي الذي كان يطوّق ساحات وشوارع المظاهرات الشعبية.

ثمة تجمعات سكانية معروفة لشبيحة نظام الأسد تقع على تخوم المناطق الثائرة، أذاقت سكان تلك المناطق الويلات وارتكبت المجازر وعمليات الخطف واغتصاب النساء، ورغم ذلك لم يكن رد الجيش الحر والثوار ينطلق من أساس طائفي، إذ ظل محصورا في التعامل مع الكتائب والقوات التي شكلها النظام من الشبيحة والمناصرين له بسبب إدراك الثورة السورية لأهداف النظام الكامنة في جر الصراع في سوريا إلى صراع طائفي عمل وما زال يعمل على تكريسه، سواء عبر تجييش قطاعات واسعة من طائفته أو من خلال استقدام المقاتلين من حزب الله والأحزاب الشيعية العراقية للقتال ضد السورين الثائرين على نظامهم المجرم.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

العالم الآن

:: اختيارات المحرر