الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

ماذا تريد أميركا من حروبها في المنطقة

سكوت الولايات المتحدة، عن أسباب ظهور الأصوليات، والعوامل التي استدعت ردود الفعل المتطرفة من قبل تلك الحركات، يطرح أكثر من سؤال حول المواجهة التي تقودها .

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/10/20، العدد: 9713، ص(9)]

كنا نسأل فيما مضى إلى أين تقودنا أنظمة الاستبداد والفساد، حتى جاءت الانتفاضات العربية التي أطاحت بالعديد من تلك الأنظمة، لكننا الآن وأمام هذا التحشيد العسكري والإعلامي الغربي ضد ما يسمى بدولة العراق والشام الإسلامية، والإرهاب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة هنا وهناك، أصبحنا نسأل إلى أين تقودنا الولايات المتحدة الأميركية والغرب معها في حروبهم التي يراد لها فيما يبدو ألا تنتهي.

من غير المعقول أو المنطقي الحديث عن إرهاب “داعش”، والسكوت عن إرهاب الجماعات الشيعية المتطرفة التي تقاتل في سوريا وترتكب أبشع الجرائم الطائفية بحق الشعب السوري. ومن غير المعقول الحديث عن مكافحة الإرهاب وهذا التهافت الذي تبديه دول الغرب لمحاربته، في حين لم يتوقف النظام السوري عن ارتكاب الجرائم الفظيعة وبكافة أشكال الأسلحة حتى المحرمة دوليا منها، دون أن يتدخل هذا العالم لإنقاذ الشعب السوري من هذه المحرقة الجماعية التي تفتك بالبشر والحجر، أو على الأقل يقدم للسوريين ما يدافعون به عن أنفسهم ويوقفون فيه آلة القتل والدمار عن ارتكاب مزيد من الجرائم، ولو من باب ما يدّعونه من قيم إنسانية.

سكوت الولايات المتحدة الأميركية، ومعها ساسة الغرب، عن الأسباب التي قادت إلى ظهور هذه الأصوليات، وعن العوامل الموضوعية التي استدعت ردود الفعل المتطرفة من قبل تلك الحركات، يطرح أكثر من سؤال حول أهداف هذه المواجهة التي تقودها الولايات المتحدة، وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات خطيرة على العلاقة بين الغرب والإسلام.

لقد كان من المنطقي أن تمارس الولايات المتحدة وشركاؤها في مكافحة الإرهاب سياسة مزدوجة في تعاملهم مع الارهاب، لأن الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام في سوريا ونظام الأسد لا يختلف عما تمارسه داعش والجماعات المتطرفة السنية الأخرى. إن القضاء على التطرف يحتاج، أولا، إلى التخلص من الأنظمة التي وفرت أسباب صعود هذا التطرف، وفي مقدمتها جرائم نظام الجريمة في سوريا، ونظام الفساد الطائفي في العراق اللذين وفرا البيئة المعززة لظهور التطرف، وساهما في توسعه واشتداده.

لم تكن الولايات ومعها الغرب وأجهزة استخباراتهم في المنطقة بعيدة عن مراقبة ما كان يحدث من تمدد واستقواء لتلك الحركات وفي طليعتها الدولة الإسلامية (داعش)، كما لم يكن بعيدا عنها معرفة الأسباب الكامنة وراء صعودها، والتي كانت توفر الظروف المناسبة لمزيد من التطرف والاستقطاب الطائفي في المنطقة، لكنها لم تفعل شيئا لمواجهة هذا الخطر الداهم، في وقت كان يمكن أن يتحقق بكلفة أقل وبزمن قياسي أقصر بكثير من الزمن الذي يفترضه القادة الأميركيون للقضاء على داعش، ومن دون أن يتبعه هذا التضخيم الكبير لخطر الجماعات الإسلامية المتطرفة، حتى تحولت إلى نوع من “الفوبيا” التي أصبحت تتجاوز حدود هذه الظاهرة إلى مفهوم الإسلام بصورة عامة.

وسط هذا الضجيج العسكري والإعلامي يكاد الحديث عن القاعدة وخطرها يتلاشى حتى كأنها أصبحت جزءا من الماضي، فهل كانت الحرب عليها هي الفصل الأول في هذه الحرب الأميركية، بينما الحرب على داعش هي الجزء الثاني منها، والسؤال الأهم هنا لماذا جاء هذا الصعود الغريب والمثير للريبة لقوة الدولة “الداعشية” بعد الانتفاضات العربية التي دخلت سوريا معها في مرحلة الاستعصاء نتيجة التدخل الخارجي إلى جانب النظام، وتجاهل العالم للمحرقة الرهيبة للشعب السوري، حتى تحولت هذه الانتفاضات إلى أشبه ما يكون بنزع صمام الأمان، الذي انفجرت على إثره كل تناقضات الواقع الكامنة وصراع المصالح الذي تقوده الجماعات المتطرفة دون أي تدخل دولي للحؤول دون تغول تلك الجماعات، وانعدام الاستقرار في المنطقة والذي سينعكس سلبا على الاستقرار في العالم.

قد يرى البعض أن مسؤولية هذا الوضع تعود إلى غياب النظام الدولي وتخلي إدارة الرئيس أوباما عن دورها القيادي في هذا النظام، لكن الوقائع التي حدثت وتحدث تقود إلى عكس هذا الاستنتاج، لأن من يريد القضاء على التطرف يجب عليه، أولا، القضاء على أسبابه ومحاربة الأنظمة التي ساهمت في تعزيز قوته وتمكينه ماديا وعسكريا، سواء من خلال تسهيل عملية سيطرته على مصادر النفط أو السلاح المتطور، كما حدث في مطار الطبقة والفرقة السابعة في محافظة الرقة السورية، أو كما حدث في الموصل وهو ما يكشف عن التواطؤ المكشوف من قبل نظامي دمشق وبغداد، بهدف التغطية على جرائم نظام الأسد باعتبارها جزءا من محاربة الإرهاب، وليست حربا على شعب خرج يطالب بالحرية.

إن أميركا التي تركت العراق تحت سيطرة الجماعات الطائفية الفاسدة وربيبة إيران، ها هي تترك، ومعها القوى الدولية الأخرى، اليمن لقمة سائغة لمطامع الجماعات الحوثية ومن خلفهم إيران على الرغم من وجود قرار دولي ينص على معاقبة الطرف الذي يحول دون تنفيذ اتفاق المصالحة الوطنية هناك. كذلك الحال في ليبيا المتروكة لمصيرها الدموي مع سيطرة القوى الإسلامية المتطرفة عليها ومحاولتها فرض أجندتها الخاصة على الجميع، دون أن يكون هناك تدخل فاعل لاستعادة الدولة سلطتها والبدء بعملية بناء مؤسسات الدولة القادرة على إخراج ليبيا من أزماتها.

كل هذا وغيره يجعلنا نتساءل عن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء حروب أميركا التي يبدو أنها لن تنتهي في المنطقة، وعن الأسباب التي جعلتها تتخلى عن مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية حتى نضجت ظروف تدخلها الذي فيما يبدو طويل الأجل وهو ما يجعلنا نسأل مرة أخرى عما تريده أميركا من حروبها في المنطقة.

كاتب سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر