السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

أحلام اليقظة في شكلها العربي الجديد

أنتج النظام العربي من بين ما أنتج رجعية ريعيّة متخلفة كل همها الديمومة في الحكم وامتلاك الصولجان حتى قيام الساعة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/10/24، العدد: 9717، ص(8)]

الأماني الجميلة ظلت تداعب الخيال العربي منذ زمن ليس بالقصير، وكلما زادت وطأة المحن والصعاب زادت مساحة التمنيات وتدفقت أحلام اليقظة دون أن تحدها حدود. وقيل أن الأحلام هي بضاعة المحرومين، وسط هذا وجدنا شرائح واسعة في طول هذه البلاد وعرضها لم تبق لها سوى التمنيات، وإلا فالواقع المعاش المضطرب ليس من سبيل للإحاطة به بسهولة. متغيرات لا يعلم عنها إلا الله والراسخون في العلم، أما النظام العربي فحاله حال الآخرين، مجرد حالم في شكل دولة من مخلفات الحقب الاستعمارية ونتاج المقص والمسطرة التي استخدمتها “الكولونيالية” في صنع خارطة دول عربية.

دول عربية ما انفكت تنازع ذاتها من جهة، أو تنازع جيرانها من جهة أخرى، وذلك هو الشغل الشاغل للعقل السياسي العربي اليوم. “الذات والجيران” كلاهما أشد خطرا من الآخر، ولهذا تنصرف الطاقات باتجاه هذين العدوين اللدودين، أبناء البلد الذين تاهت بهم الطرق، وجلهم من فئة الشباب، فركبوا موجة العنف والقتل والتخريب والتفجير باعتبارها السبيل الوحيد لإقامة المدينة الأفلاطونية الفاضلة في نسختها الطالبانية- الداعشية، والجيران الذين استأسد كل واحد منهم على الآخر، في ما سيل الاتهامات لا ينتهي من قبيل الاتهامات بالتآمر والخيانة، وصولا إلى الأطماع التوسعية وتهم الإرهاب.

فإلى أي اتجاه تسير أحلام هذه الأمة وتمنياتها؟ وأي سقف زمني وواقعي يحقق، ولو بعضا من، تلك الأحلام؟ أسئلة ظلت تدور في الأذهان في ظل هذه الأوضاع المضطربة التي أجهزت على الكثير من اتجاهات التنمية.

ولعل من البديهي القول أن لا إبداع من دون أحلام خصبة، وبناء الأوطان وعمارتها ونشر الازدهار والرفاهية فيها، هو نتاج أحلام عريضة تم تحقيقها بالتدريج، وعلى مراحل، لكننا اليوم أمام حالة “قضم” الأحلام، وتحويلها أحيانا إلى كوابيس مرعبة بسب ذلك الجهل شبه التام بما هو آت.

إننا، واقعيا، أمام إشكالية لا تتعلق بحدود التبسيط المتعلق بأحلام الغد، بل بانتشار حالة من انعدام اليقين في العديد من المسلمات، إلى درجة أنك صرت تسمع من يستهجن كلمات من قبيل “وطن ومواطن ومواطنة”، وجرى إحلالها ببدائل ومسميات أخرى جديدة صارت تتعمق كل يوم، وترتبط بالعرق والطائفة والمذهب والفئة الصغيرة. وبعد أن كانت أحلام المواطن جمعية في رؤية وطن مزدهر ومنتعش وحياة مرفهة وآمنة، صارت أحلام بعض الفئات ترتبط بحلم الانفصال والانقسام والانتصار على الخصوم والاقتصاص منهم.

إن هذا التشظي في أحلام الناس البسطاء وعدم قدرتهم على تصور شكل وطن طالما تمنوه أحسن الأوطان وأجملها، خلق حالة من التراجع والإحباط المستشري على كل المستويات تقريبا. هذه الإشكالية المركبة إنما تعود بنا إلى جدلية “الذات والجيران” عن الخصم الذي تم إنتاجه محليا وتم تغذيته بأيديولوجيا محلية، من إنتاج بيئات عربية بدائية ومتخلفة ورجعية إلى أقصى الحدود، حتى ظل النظام العربي يمارس بلاهة منقطعة النظير وغباء لا مثيل له، وهو يرى هذا الكائن الهجيني يتشكل ويتضخم ويكبر، فيما النظام العربي يغضّ الطرف ويدعم استنساخ المزيد حتى صرنا إلى ما صرنا إليه اليوم: الأعداد غير القليلة من الشباب الجهادي والتكفيري الذي ترعرع من أموال الدولة ومتبرعيها، وتدرب بأسلحة الدولة أو أسلحة أصدقائها، وإذا بالنظام العربي يرى النار تقترب من أذيال الثوب وهو عاجز تماما عن فعل شيء.

لقد أنتج النظام العربي من بين ما أنتج رجعية ريعيّة متخلفة كل همها الديمومة في الحكم وامتلاك الصولجان حتى قيام الساعة، ولهذا تُركت شرائح واسعة من المجتمع إلى أقدارها، قزّمت من أحلامهم، وأهملت توجهاتهم وتركتهم لقدرهم، فتلقفهم من لا يرحم بحشو عقولهم بأفكار طوباوية وهلامية، وسخر طاقاتهم الشابة نحو العنف وسفك الدماء.

وبعد هذا كله نجد أن مساحة الأحلام والتمنيات في داخل النظام العربي صارت تتقلص إلى أقل المستويات، وكذلك بالنسبة للمواطن نفسه الذي لم يعد يرى له أملا مع هذا النظام العربي المتهالك المتآكل الذي أورد شعوبا بأكملها مورد السوء والهلاك، وألحق بها أفدح الأضرار وأشدها، وقادها إلى غياهب المجهول بسبب اتكاله على الغير، لا على أبنائه وقدرات بلاده، وبسبب السبات العميق الذي ظل عالقا فيه دون قدرة على الابتكار والتجديد في مؤسسات الدولة وفي مناهج التعليم والحريات والحياة الاقتصادية.

من هنا صرنا أمة تتآكل أحلامها وتمنياتها، وتتراجع المخيلة الجمعية فيها إلى أضيق الحدود، وصار السياسيون الرومانسيون الذين ينقلون بخيالهم الأوطان إلى أرقى المستويات يتضاءلون إلى أشكال من السياسيين العاجزين الببغاويين، الذين يرددون خطابات تُملى عليهم فيموت في تلك الخطابات الأمل والخيال، بل وتعج بعبارات التحديات الداخلية والخارجية التي استحوذت على إشراقات الخطاب في شكله الذي يداعب خيالات الشعوب، تلك الشعوب التي استسلمت لأقدارها، لا تدري عن مجهول سيقع حتى بعد ساعة من اللحظة المعاشة.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر