السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

البيك المحسود

كان أقل المثقفين الذين عرفتهم اهتماماً بالشهرة وكان ينظر إلى نفسه كحالة تاريخية، لم يتزوج ولم يكن يؤمن بالزواج.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/10/24، العدد: 9717، ص(24)]

كنا نقرأ كثيراً ونأتي إلى مقاهي المثقفين كي نظهر ثقافتنا وما حصّلناه من قراءات ومعارف، وكثيراً ما تحدثنا عن مفكرين وفلاسفة وشعراء كبار عرب وأجانب، متباهين بفهم شغلهم العلمي الكبير، ومرة ذكر أحد أصدقائنا الشباب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، وتحدث عن كتابه “الغثيان”، فلم ينظر الصديق الذي سأحدثكم عنه اليوم، بل أشاح بصره إلى الناحية الأخرى، ثم أعاد الشاب ذكر سارتر من جديد بعد ربع ساعة، فتنهّد الصديق الكبير وسحب نفساً عميقاً وكأنه يضبط أعصابه، وبعد نصف ساعة كان الشاب يقول إن سارتر هو أعظم فلاسفة الوجودية على الإطلاق، فما كان من صديقنا إلا أن انفجر غاضباً: “ولك انتي ما بتفهمي؟ مين هي سارتر؟ سارتر كان أكسل طالب معنا في الصف في باريس، غبي، متخلف، ميغد”، فأخذنا نهدئ من روعه ونخفف غضبه.

كان ذاك الصديق الكبير هو الشاعر الكبير عزمي موره لي الذي طالما سخر مدوّراً ربطة عنقه التي كانت على شكل فراشة، وهو ينظر إلى جهل الناس من حوله، تثاقفهم وادعاءاتهم وفذلكاتهم، كان الجميع يخاطبونه بـ “عزمي بك” وكانت عربيته مكسّرة، يقول عنها: “ما تعلمتُ العربية أصلاً، ولدت في العام 1916، وكان أهلي يتكلمون التركية، وفي العام 1922، كانت عربة الخيل تحملنا إلى مدرسة الفرير من بيتنا في حي القنوات، وكان التدريس بالفرنسية، وكانوا يمنعوننا من الحكي بالعربية”، بحكم عائلته الباشوية التركية المهاجرة إلى دمشق، وكان يكتب بالفرنسية وحدها، وحين صدرت مجموعته الشعرية الكبيرة التي حملت اسم “الاقتراب” باللغة الفرنسية بالطبع، كتب لها التقديم الشاعر والناشر الفرنسي مارك آلن قائلاً: “نحن سعداء وفخورون بأن ننشر في فرنسا كتابك (الاقتراب) إعراباً عن تقديرنا العميق لابداعك”، وكتب له السياب رسالة في العام 1956 قال فيها : “ولا تزال أناشيدك الرائعة تملأ نفسي فأرى ظهيرة الأبدية، وأرى الإنسان وقد انكفأ على وجهه مصعوقاً”.

كان أقل المثقفين الذين عرفتهم اهتماماً بالشهرة، وكان ينظر إلى نفسه كحالة تاريخية، لم يتزوج ولم يكن يؤمن بالزواج، ذهب إلى باريس بعد الحرب العالمية الثانية، ودرس في صف الفلسفة حيث كان معه سارتر وغيره طلاباً صغاراً، فلم يشعر يوماً بأن ثقافتهم تلك، ثقافة عالية قادمة من فوق، بل تعامل معها بندية وألف كتابه الهام “الوعي والوجود” الذي ينتظر من يترجمه إلى العربية حتى اليوم.

ولم يعمل عزمي بك في حياته، ولم يضطر إلى ذلك أصلاً، فثروة عائلته كانت كفيلة بإعالته حتى آخر لحظة في حياته، وكان أصدقاؤنا الشيوعيون والبعثيون ينظرون إليه بحسد، قائلين: “عزمي بك لم يغبّر حذاءه بالعمل في يوم من الأيام”، كانت أملاك أسرته في منطقة “الهامة” قرب دمشق، باعها قطعة أرض إثر أخرى كي يعيش حرا يعطي أمواله للفقراء من المبدعين، ويتجول في أنحاء العالم، في العام 1998 رحل عزمي بك موره لي، تاركاً إرثاً شعرياً خاصاً متعالياً وخاصاً، ولكن حتى نقاد الشعر العربي، لم ينصفوه، وقد ميزوه عن غيره ونظروا إلى شعره بحسد، فلم يصنفوه كشاعر عربي أو شاعر سوري و أخرجوه خارج الحسابات بحجة الفرنسية التي كتب بها.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر