الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

عودة الأميركان للعراق ووضع العرب السنة

عودة الأميركان إلى العراق فيها الكثير من الدوافع السياسية والأغراض الغامضة، ليس عند القائمين على الحكم في بغداد، وإنما لدى المشاركين في هذه الحملة.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/10/27، العدد: 9720، ص(8)]

عودة الأميركان إلى العراق على هامش الحرب الجديدة على تنظيم “الدولة الإسلامية” فيها الكثير من الدوافع السياسية والاستراتيجية والأغراض التي تبدو غامضة، ليس عند القائمين على الحكم في بغداد الذين تهمهم الحماية، وإنما لدى المشاركين في هذه الحملة الحربية في المنطقة. والعراق الذي يعاني اليوم من فقدان سيادته على ثلث أراضيه، هناك ثلاثة أسباب دعت الأميركان للعودة إليه وجعله مركزاً لهذه الحرب:

الأول الحفاظ على أهم موقع استراتيجي موثوق في منطقة “كردستان”، بما يحمله من مزايا التأثير الاستراتيجي وخصوصاً شرايين النفط الصاعدة. والسبب الثاني: محاولة إعادة الحياة وترميم كيان العراق السياسي المفكك ودولته “الفاشلة ” وفق ذات الوصفة التي أنتجت الخراب منذ عام 2003 خوفاً من انهيار هذا الكيان وقيام بديل سياسي مفاجئ. والثالث: أهمية العراق الدائمة كمركز استراتيجي على طاولة تقاسم المصالح المنتظرة بعد مرور مائة عام على معاهدة سايكس بيكو عام 1916.

المكانة الاستثنائية الحالية للعراق لها تأثيرات وتداعيات سريعة وبعيدة المدى قد تضع المصالح الملتهبة على طاولة الحلول الجيوسياسية، وقد تصل بعد خمود النار الممتدة من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن إلى نقطة تقاسم النفوذ بين إيران، الطامحة بالحصة الأكبر، وأميركا الباحثة عن حفظ ماء الوجه، وتركيا الباحثة عن مكانة متميزة، إلى جانب روسيا المستفيقة من جراح التشظي.

لكن ما يهم العراقيين من هذا الظرف والبيئة العالمية الجديدة، ليس طرد “داعش” فحسب والذي سيستغرق وقتاً طويلاً على أهمية ذلك في تحرير الأرض الوطنية، وإنما في التقاط الفرصة الدولية والإقليمية والمحلية والدخول الأميركي المجدد في الشأن السياسي العراقي من زاوية “الحرب على داعش”، لإجراء عملية إصلاح شامل للبلاد تستهدف النظام السياسي الذي ثبت عجزه وتناقضه مع أبسط معايير الوطنية والدولة المدنية الحديثة، بل وانتمائه إلى عهود ما قبل الدولة، حيث تتقدم الطائفة والعرق والمذهب على الوطن، وتسود الميلشيات المسلحة بدل الجيش الوطني، وتنتهك قيم الإنسان وحقوقه تحت دوافع ثأرية مقيتة، ويهجّر الناس من مساكنهم على الهوية.

هذا العمل الاستثنائي يتطلب التخلي عن النظام الإثني الطائفي وتغيير جميع المنظومات السياسية والأمنية داخله التي كرست التمايز الطائفي وأشاعت الحقد والكراهية، وتعاملت مع العراقيين على أساس مكوناتهم الإثنية والطائفية لا على أساس المواطنة. وقد يقول البعض بأن مثل هذه الآمال خيالية رغم هول الكارثة واحتمالات تقسيم العراق وتفككه، مستندين في هذه القناعة على وقائع العشر سنوات الماضية، حيث لا توجد استعدادات جدية عند القوى “الشيعية” الحاكمة في التخلي عن نظام “المحاصصة” الشكلي تحت عنوان (الشراكة) التي انكشفت حقيقتها في السنوات الأربع الأخيرة، وسادت بدلاً عنها سياسة الاستحواذ على مقدرات البلاد الأمنية والعسكرية.

ولعل الحالة الخطيرة التي فجرّت جميع الأوضاع وجعلت العراق على ما هو عليه اليوم هي ما أنتجته خلال السنوات الثماني الأخيرة سياسة الإقصاء والظلم والاضطهاد والتهجير المنظم والاعتقالات للعرب السنة وملاحقتهم في مصادر رزقهم وممتلكاتهم دون ذنب، مستخدمين أدوات “قانونية” شرعها الاحتلال “المساءلة والعدالة، قانون أربعة إرهاب”، وأدت تلك السياسات إلى هجرة عقول العلماء والأطباء والمهندسين والمثقفين إلى خارج الوطن.

وتصاعدت الأوضاع بعد ردود الفعل الشعبية في الاعتصامات السلمية في المحافظات العربية الست، لكنها قوبلت بمزيد من العنف والتخوين واتهامات (الأجندات الخارجية والإرهاب والقاعدة) وكانت هناك فرصة الحد الأدنى للاحتواء والحوار وتلبية المطالب المشروعة. وبدلاً من ذلك وصلت حالة الاستقطاب الطائفي درجة رفع شعارات “حرب جيش يزيد ضد جيش الحسين”.

ومع ذلك فالأميركان، صانعي الكارثة في العراق، كانوا يتفرجون من بعيد قائلين: هكذا أنتم العراقيون قدمنا ما قدمناه لكم وعليكم البقية، وكانت البقية معروفة. وقد تنبهت بعض قوى “التحالف الشيعي” إلى المخاطر التي تهدد وجودها في الحكم، وأن الطوفان قادم خصوصاً بعد تمسك نوري المالكي بدورة ثالثة بعد الانتخابات الأخيرة 2014.

وحصل التوقيت “الغامض” باجتياح داعش لثلث أراضي العراق في العاشر من يونيو، ودخول الأميركان في عملية توليد حكومة حيدر العبادي، وسط اعترافات علنية من قبلهم بأن ما حصل هو نتاج سياسة إقصاء العرب السنة، وتزامن ذلك مع تعهدات من قبل الحاكم العراقي الجديد أمام البرلمان بمحاولة تجاوز الانتهاكات الجسيمة، وتهدئة النفوس بعد نزوح حوالي مليوني نسمة من المحافظات السنية بسبب القصف العشوائي.

وهناك تقارير تتحدث عن انتهاكات ونهب لممتلكات مواطنين في مناطق العرب السنة النازحين، فيما يعيش رئيس الوزراء الجديد وسط ظروف محلية وإقليمية معقدة، فالأميركان الذين نظموا هذه الحملة الدولية ضد داعش يعودون للعراق، بمشروع عسكري طويل الأمد، أمام تصريحات متضاربة في أوساط الحكومة بين قبول دخول قوات برية أميركية، أو رفض لها بتأثير من طهران.

وكلا القطبين الأميركي والإيراني النافذين في العراق يتباريان على كسب عوائد حماية الكيان السياسي له، وفق حسابات مصالح النفوذ وقسمتها غدا.

ولكن الأهم من ذلك كله هو أن لا تجعل حالة الطوارئ الحربية ضد “داعش” العبادي في حالة من التراخي وتجاهل السبب الرئيسي للأزمة الكبرى، وهي إنقاذ وضع العرب السنة مما هم عليه. وهناك تعهدات وثيقة “الاتفاق الوطني” تحتوي ملامح أولية للحلول، رغم اصطدامها ببعض التيارات المتطرفة داخل البيت الشيعي الرافضة للانفتاح على العرب السنة، وكأنهم إسرائيليون أو داعشيون أو برابرة قادمون من آسيا والقوقاز، وليسوا قلب العراق النابض إلى جانب الشيعة، والامتداد الحقيقي للأمة، وهم بناة مجربون للوطن والدولة، وهم هوية العراق العروبية وجذر حضارته المدنية التي تُسحق اليوم، منهم العلماء ورجال الفكر والسياسة، وبين ظهرانيهم قبائلهم العريقة ومقامات الرجال الميامين الأكابر، وليس ذنبهم في كل ما يجري عليهم من بطش وتنكيل مبرمج أنْ ظهر من بينهم عراقي حاكم مستبد، لتكون المقايضة إزالتهم من الخارطة الديموغرافية في كيان لن يكون هو العراق. أو إن ذنبهم لوحدهم كونهم امتداد لتاريخ أزمة حكم وسلطة في مرحلة من مراحل دولة خلافة الراشدين.

يبدو أن الأميركان اليوم لديهم الاستعدادات السياسية للمساعدة على حل الأزمة رغم شكوك أبناء العرب السنة من الخديعة الأميركية، ولكن المهم هو قدرة العبادي على اتخاذ قرارات جريئة قد تزعج رفاقه في الحزب والكتلة الشيعية، لكن عليه أن يتصرف كزعيم عراقي وطني وسيجد أن جمهور العرب السنة في مساندته.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر