الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

عن الدولة والثورة وآلهة ليست في السماء

الثورة ثمرة الوعي والتمرد، ولا يليق بشعب فتح صفحة 25 يناير أن يمنح قداسة لأحد. الحرية والحق في حياة كريمة هما الأقدس. ومن تونس تأتينا البشارة، فطوبى للمتمردين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/10/28، العدد: 9721، ص(8)]

في سن الحادية والخمسين أصبح محمد نجيب على رأس السلطة عام 1952، ورآه الضباط الشبان شيخا كبير السن، ينتمي إلى جيل سابق، فكان الشقاق. كان على الجيل الشاب أن يجرب، فيخطئ ليصيب، ويتعثر لينهض. ملامح وجوه وأعمار المسؤولين مرآة تعكس عافية “الدولة” أو شيخوختها.

عقدة التماهي مع آلهة ومؤلهين في مواقع السلطة ردة حضارية لا وجود لها في التاريخ المصري إلا في خيال بعض المؤرخين. لا أميل إلى استخدام أفعل التفضيل، إذا اختص الأمر بمصر، ولكنها أكثر دولة في العالم عاشت حالة “الثورة الدائمة”، إذا استعرت عنوان كتاب ليون تروتسكي.

اندلعت الثورة الشعبية الأولى في نهاية الأسرة السادسة (2345- 2181 قبل الميلاد)، ولم يغلق القوس بقيام ثورة 25 يناير 2011 التي تقترب من إتمام أربع سنوات “من الثورة”، لا “على الثورة”؛ لأنها مستمرة بإذن الشعب حتى تحقق أهدافها. قامت قيامة 25 يناير، ولم يهدأ الغبار، ولا اختفت رائحة الغاز والبارود، بعد موجتها الكبرى، الثانية، في 30 يوينو 2013.

للثورتين سبب مشترك، ترهل جهاز الحكم وشيخوخته، أجلس بيبي الثاني على الكرسي في سن السادسة، وظل في الحكم 91 عاما، أطول فترة لحاكم في التاريخ، وكان من الطبيعي أن تتدهور الأحوال في نهايات عهد رجل “حكم البلاد أكثر من ثلاثة أجيال” كما يقول سليم حسن في موسوعته “مصر القديمة”، ويسجل أيضا أن الشعب “قام بثورة اجتماعية طاحنة”، ربما لا تختلف عن الثورة على نظام حسني مبارك، إلا في شعارها الأول: “الحرية”.

لا يخشى المصريون عواقب الثورة، ولو أدت إلى فوضى ظاهرية، يثورون ثقة في أن “الدولة”، هذا المعبود الشعبي، إن لم تتجدد عافيتها بالإصلاح، فلابد من ثورة، جراحة لاستئصال وباء، ربما يطول الشفاء، ولكنها ضرورة. لا يعنيهم المأثور الإسلامي: “اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي”.

ولكن أوهام بعض المؤرخين تسربت إلينا وصارت كأنها “الحقيقة”، منذ راج قول كعب الأحبار لعمر بن الخطاب: “إن الله عندما خلق الدنيا جعل لكل شيء شيئا، فقال الشقاء أنا لاحق بالبادية، وقالت الصحة وأنا معك. وقالت الشجاعة أنا لاحقة بالشام، فقالت الفتنة وأنا معك. وقال الخصب وأنا لاحق بمصر، فقال الذل وأنا معك”. قلت “راج”، ولست الآن بصدد التحقق منه. أساطير لا تختلف عن استسهال الكلام عن “عبادة الفرعون”.

لا يوجد في التاريخ المصري منذ تأسيس الدولة قبل عام 3100 قبل الميلاد حاكم حمل لقب “فرعون”. المصطلح يعني بيت الحكم، لا نقول القصر؛ فلم يهتم ملوك مصر القديمة بتشييد القصور، بل الصروح والمعابد والمدن والموانئ. كان أمنحتب الثالث بنّاء عظيما، ولم يكن ابنه أمنحتب الرابع في قامة أبيه، فالتمس العظمة في شيء آخر، تغيير عاصف، أطلق على نفسه اسم “أخناتون”، ونقل العاصمة من طيبة “الأقصر” إلى أخيتاتون شمالا “تل العمارنة في المنيا”، وغيّر ديانة “آتون” التي تسمح بالتعدد إلى ديانة “آتون”.

الثورة التي أنهت حكم أخناتون عام 1362 قبل الميلاد لا تخص الكهنة، ولكنها ثورة شعب أحس بخطورة تلاشي المسافة بين الكاهن والملك “أخناتون” الذي جمع السلطتين في شخصه. كان يمكن للشعب أن يرضى باستقرار زائف، يضمنه بقاء ملك كاهن، ولكن الثورة عصفت بأخناتون، دفعت قائدا عسكريا من عموم الشعب، ولا ينتمي للنبلاء، إلى إنقاذ البلاد. هكذا أمسك القائد “حور محب” بمقاليد السلطة، لم يورثها لأحد من أسرته.

حتى في الفوضى المصاحبة للثورات المصرية لا تستباح الدماء، كما استبيحت مثلا في عهود أخرى، وكانت الكعبة ساحة لإحداها، إذ ضرب جيش عبدالملك الكعبة بقيادة الحجاج بن يوسف الذي قتل عبدالله بن الزبير وصلبه عام 83 هجرية، ولم يراع ضعف أمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكرالصديق. وفي عام 120 هجرية سينهي والي الكوفة خالد بن عبدالله القسري خطبة العيد قائلا: “أيها الناس اذهبوا وضحوا بضحاياكم، تقبل الله منا ومنكم، أما أنا فإني مضح اليوم بالجعد بن درهم”، وذبحه أسفل المنبر.

ولن يخلو تاريخ العباسيين من الدماء، هذا شأن السياسة والسياسيين، والأعجب هو شأن رجال الدين. كان هارون الرشيد الحاج التقي الورع يحب جارية لأبيه المهدي. راودها فقالت: “لا أصلح لك، إن أباك قد طاف بي”، ولكن قاضيه أبا يوسف “فقيه الأرض وقاضيها”، كما كان يدعى، وجد إجابة عن سؤال الرشيد وحيرته: “اهتك حرمة أبيك، واقض شهوتك، وصيره في رقبتي”. هذا يهون بجوار حرمة الدم الأكثر قداسة من هدم الكعبة، وقد هان دم المصريين على “الخلفاء”، فعلى سبيل المثال يروي ساويرس بن المقفع في “تاريخ البطاركة” أن مروان بن محمد رد على راهب توقع زوال حكمه بأن :”أحرقه بالنار وهو حي”، وكانت ثورة البشموريين في شمال مصر قد بدأت، وتفاءلوا بصعود العباسيين، ولم يلبث الخليفة المأمون، الذي يحظى الآن بشارع كبير في القاهرة، أن استباح دماء الثائرين وأحرق مساكنهم، وأخذهم عبيدا إلى بغداد.

استمرار الثورات ينزع القداسة. لا عصمة لمخلوق، هكذا تكرر انسلاخ مصر عن دولة الخلافة. يسجل حسين نصار، في كتابه “الثورات الشعبية في مصر الإسلامية” أن المصريين أسهموا “في أول ثورة كبيرة عانتها الخلافة الإسلامية”، ورفضوا أن يستبدل مروان بن محمد واليا اسمه حسان بن عتاهية بالوالي حفص بن الوليد، فذهبوا إلى المسجد: “ودعوا إلى خلع الخليفة مروان بن محمد وحصروا حسان في داره ثم أخرجوه من مصر… ثم أخرجوا حفصا من السجن وولّوه مصر. واتصلوا ببعض الثائرين في فلسطين لتوحيد كلمتهم”، فرشح الخليفة واليا آخر اسمه حنظلة بن صفوان لكنهم رفضوه، “وحاربوه فهزم وحينما رأى الخليفة ذلك سكت عنهم… على مضض”. ويقول نصار: “لم يكن يمر عام أو عامان حتى تقوم ثورة”.

الثورة ثمرة الوعي والتمرد، ولا يليق بشعب فتح صفحة 25 يناير أن يمنح قداسة لأحد. الحرية والحق في حياة كريمة هما الأقدس. ومن تونس تأتينا البشارة، فطوبى للمتمردين.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر