الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الأمة والدولة في سوق السياسة

الشكل 'الكولاجي' لنظام الحكم هو تلصيق لدساتير شتى، وتكريس الحكم العائلي، فضلا عن قوانين وأحكام عرفية وأحكام طوارئ مع لمسة حداثة هنا، ومسحة إسلاموية شرعية هناك.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/10/31، العدد: 9724، ص(8)]

تثير جدلية الأمة والدولة إشكاليات متشعبة داخل أوساط صناع الغد في العالم العربي. فالكل مشغول بالفكرة يرددها في مناسبات شتى، وتجد لها تخريجات متعددة ليس أقلها ربط الأمة ووجودها بالخطاب الديني وبنظام الخلافة الإسلامية وإنشاء المدينة الفاضلة الافتراضية، وبعضهم يصل به التجريد إلى حد اعتبار أن إقامة الدولة الفاضلة أمر حتمي، وهو ما تفرعت عنه الذراع المسلحة التي تريد فرض نظام الخلافة من خلال أنهار من الدماء وتلال من الجماجم، وهو ما نشهده منذ أكثر من عقد من الزمن في أبشع المذابح التي يرتكبها مسلمون بحق مسلمين، على مذبح الدولة والخلافة الافتراضيتين.

ولعل التحدي الإشكالي الكبير الذي واجه النظام العربي برمته، كما العقل العربي، هو شكل ومحتوى هذه الدولة في عالم مضطرب تغلب عليه مواصفات الدولة العلمانية المتطورة التي تمردت على الكنيسة وعلى نظام الحكم الكنسي الديني وهو المثال الأوروبي والأميركي المتطوران .

هذا الواقع جعل من التصاق المنظرين للأمة والدولة يصطدم بثنائية (المخيال الإسلامي والواقع العلماني) فالبنوك القائمة على المضاربة الربوية وبورصات أسعار الثروات الطبيعية والتحكم في أنظمة الفائدة والتجارة العالمية، ليست بيد أكبر فطاحلة مفكري هذه الأمة، ناهيك عن ساستها وثروتهم الوحيدة التي يعتاشون من ورائها- البترول- بين أيديهم وطوع بنانهم، ولكنهم غير متحكمين فيها ولا خيار لهم في أسعارها ولا في بيعها، ولسان حالهم يقول كل الذي يأتينا من “ريع” نشكر الله عليه وننام ملء الجفون عن شواردها.

وبموازاة ذلك ظل النظام العربي في شكله “الكولاجي” متحيّرا في إشكالية الأمة والدولة، فهو ساكت عن هذه الجدلية مادامت لا تمس الجاه والصولجان ونظام الحكم العائلي، أما إذا اقتربت من تلك الحدود، فسيصبح مجرد الكلام في الأمة والدولة يستوجب التعزير والجلد والطمر في قعر السجون.

هذا الواقع الإشكالي الذي عانى، ويعاني، منه نظام الحكم العربي “الكولاجي” ظل يلقي بآثاره على ما نعيشه اليوم من أزمات، فشل النظام العربي فشلا ذريعا في حلها أو التصدي لها أو تقويمها تقويما عقلانيا منطقيا، بل إن النظام العربي لا يملك أدنى تصور عن هذه الإشكالية أو هو غير معني بها، أو غير جاد في استقائها.

والمقصود بالشكل “الكولاجي” لنظام الحكم أنه تلصيق لدساتير شتى، مع تكريس الحكم العائلي وتملّك البلاد والعباد، على أنه ملك خالص للحاكم، فضلا عن قوانين وأحكام عرفية وأحكام طوارئ مع لمسة حداثة هنا، ومسحة إسلاموية شرعية هناك، فيصبح دستور البلاد شكلا تلصيقيا يوفر ما يطلبه المواطنون فيجدون فيه الحداثة والإسلام يتعايشان على سطح واحد في شكل إيهامي متواضع وهزيل للغاية.

إن هذه الإشكالية التي أوردت الأمة هذا المأزق الذي تعيشه اليوم، هو ضياع البوصلة التي تحدد اتجاهات الأمة واتجاهات الدولة ومساراتهما، فضلا عن تراجع هائل في الفقه السياسي العربي أساسه ذلك الكم الكبير من التناقضات والصراعات والتمزق إزاء أي تحد سياسي ابتداء من الحرب العراقية الإيرانية، وحربي الخليج الأولى والثانية، وصولا إلى الحرب الداعشية التي نعيش فصولها اليوم، حتى صار المفهوم الإشكالي عرضة لتقلبات سوق السياسة.

ولعله من الملفت للنظر ظاهرة التفلّت من مسؤولية مواجهة هذا الواقع واللجوء إلى بدائل من بينها الحلول الأمنية والقبضة الحديدية لإبقاء الحال على ما هو عليه، وهو وهم آخر ومأزق أشد خطورة يدخل النظام العربي نفسه فيه، فالحل الأمني والتدريب والتسليح الذي عشنا فصوله على الساحتين العراقية والسورية مثلا، وضعت النظام العربي كله في أكثر المآزق خطورة، إذ ذهب النظام العربي بعيدا في الاهتداء إلى حل سفك الدماء والتفجير والقتل والانتقام، والانتقام المتبادل، ونشأت وسط هذه الفوضى العارمة مافيات وعصابات من مصاصي الدماء، نشأت في كنف النظام العربي، حيث استنبتها وتكفل برعايتها على أعلى المستويات، وكان الخطاب السياسي العربي وخطاب الدبلوماسية العربية حتى وقت قريب يدبج أجمل خطابات الغزل بحق تلك الفلول والشراذم التي عاثت فسادا في طول البلاد العربية وعرضها، وها هـو النظام العربي يقوم بفعل معاكس، إذ تستنزف موارد الثروة الناضبة- البترول- لا للتفكير في حماية مستقبل الأجيال، بل لتحجيم العصابات التي مولها ودربها النظام العربي نفسه، فإذا هي تنقلب عليه وتثير الهلع الشديد في أركانه وترتعد فرائصه لمجرد سماع بيانات الحركات المتشددة العازمة على إقامة الدولة على أنقاض الحكم العائلي والنظام العربي الكولاجي.

لا يجب التغاضي عن حقيقة أن الفشل الذريع في رسم شكل الأمة والدولة المعاصرة في مرجعياتها الإسلامية وسن قوانينها وثوابتها (غير النظرية المطاطية) بل الواقعية والعملية، كل ذلك فاقم الأزمات وسيفاقمها بسبب شبه انعدام الرؤية، والتخبط في وسط عماء وهباء يتذبذب كل يوم بين ما كان، وما يجب أن يكون من أنظمة ما بعد الحداثة، وما بعد الكولونيالية، حتى مرحلة ما بعد الحقبة الداعشية.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر