الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

لا يمكن الجلوس وسط الطريق السريع

ما يجعل الحكيم حيران هو تلك الهندسة المعقدة للخير وللشر، هندسة كونية لا يمكن التساهل في رسمها والعبث بعدالتها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/10/31، العدد: 9724، ص(24)]

لقي رجل كريم من أهل الهند، الشيطان شخصياً في الطريق، فلم يلق عليه التحية، فاستغرب الشيطان وقال للرجل:” ولماذا لا تسلّم؟” فقال الرجل:” لا أسلّم عليك لأنك عالة على مخلوقات الله تدعوهم إلى الشر دوماً”، فقال له الشيطان:” ولكنك يا سيدي لا تعرف عني شيئاً فتعال أريك ما أفعله”، ومضيا معاً، فأخذه إلى بائع حلويات، وتسلل الشيطان إلى آنية من العسل الأسود، ووضع إصبعه في العسل ونهل نقطة منه ثم رسم بها علامات على الجدران، وقال للرجل:” انظر ماذا سيحدث الآن” وخلال ثوانٍ تجمّع الذباب من كل حدب وصوب للوقوف على علامات الشيطان العسلية على الجدران، واقتربت سحلية صغيرة لتلتقط الذباب، فهاجمتها القطة وأخذت تطاردها، فرآها كلب الجيران، فجنّ جنونه وأخذ يطارد القطة، فقلب الكلب بهياجه آنية العسل، فغضب بائع الحلوى، من جاره مالك الكلب، وهجم عليه وأوسعه ضرباً، فوقف أهل الحي فريقين، واحد مع بائع الحلوى وفريق مع صاحب الكلب، ونشب نزاع عنيف جداً بين الجميع، وقع على إثره عدد من القتلى والجرحى.

فقال الكريم الهندي للشيطان:” هل رأيت؟ قلت لك إنك عالة على البشرية، ولا تتسبب سوى في المشاكل”، فقال الشيطان:” أنا لم أفعل شيئاً، سوى لمس نقطة العسل والرسم بها على الجدار”. وهذا صحيح بالطبع، ولكنه كان يعلم أن نقطة العسل تلك ستجذب الذباب الذي سيجذب السحالي التي ستجذب القطط التي ستجذب الكلاب التي ستتسبب في المعركة.

وفي الفيلم السينمائي “بروس العظيم” للنجم العالمي جيم كيري، يواجه المذيع الطموح الفشل والإحباط في كل خطواته، فيصل إلى القنوط، ويخاطب الله قائلاً:” أين أنت؟ لماذا لا تساعدني؟” فيظهر له ويقول له:” سأعطيك قدراتي كلّها، كي تحقق أحلامك، ولكن أريدك بالمقابل أن تقوم بمهامي لمدة أسبوع”، فيوافق بروس، ويبدأ في اكتشاف قدراته، فيحاول شق البحر في صحن الشوربة، كما فعل موسى، ليتأكد من تلك القدرات.

وبالفعل يصبح كل ما يتمناه حقيقة أمامه، سوى أنه يواجه مشكلة صغيرة، تمثلت في صلوات الناس ودعواتهم الهائلة، فيقرّر تنظيم العمل وفق المعطيات الحديثة للعصر، ويقوم بتحويل كل تلك الصلوات إلى صندوق بريده الإلكتروني، ولأنه لا وقت لديه، ويريد الخير للناس، يقرّر أن يجيب بـ “نعم” على كل طلبات الناس، فيربح أكثر من أربعمئة ألف شخص في الوقت ذاته الجائزة الكبرى في اليانصيب، وينقلب حال المدينة التي يعيش فيها، ويهجم الناس على بعضهم البعض كما في قصة الهندي والشيطان، وتتركه حبيبته، وفي النهاية يجلس منهكاً من ثقل المهمة والنوائب التي تسبب بها، ويخاطب الرب من جديد، فيسطع نور مبهر، فيبتسم معتقداً أن الرب تجلى له من جديد، ولكنه يفاجأ بأضواء شاحنة عملاقة وهي تقترب منه مسرعة لتدهسه، ثم يصعد إلى السماء بين الغيوم، فيقول له الرب:” لا يمكنك أن تجلس وسط الطريق السريع وتدعوني كي أستجيب لك دون أن تتوقع مرور شاحنة”.

ما يجعل الحكيم حيران هو تلك الهندسة المعقدة للخير وللشر .. هندسة كونية لا يمكن التساهل في رسمها والعبث بعدالتها.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر