الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

خلفية ثقافية للتطرف

عمد حافظ الأسد لمواجهة ردّ فعل الشارع الإسلامي على استبداده إلى فتح مئات معاهد الأسد لتحفيظ القرآن بغية إبعاد الجيل الجديد عن الانخراط في العمل السياسي.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/11/01، العدد: 9725، ص(16)]

حيوية أيّة ثقافة وفاعليتها وغناها تتأكد من خلال ما تنتجه من أفكار، وما تتولد عنها وبداخلها من حوارات، أو ما تدفع باتجاهه من تحوّلات إيجابية في المفاهيم والسلوك والقيم، وفي الرؤية إلى العالم. لذلك فإن غياب هذا الدور أو انحساره يعدّ علامة على ما تعانيه الثقافة من مشاكل بنيوية، تمنعها من التطور والتجدّد والإبداع.

محاولات كثيرة جرت لدراسة ظاهرة التطرف، والبحث في الأسباب الموضوعية، التي تكمن وراء انتشاره لكنها ركّزت في الغالب على دراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مغفلة العامل الثقافي الذي يعدّ الخلفية الحقيقية لهذه الظاهرة، بسبب ما تحتاجه دراسة هذا العامل من تحليل منهجي موضوعي، ومن شجاعة في تحليله تبحث في أسسه ومرجعياته وكيفية تأثيره في الوعي الجمعي، حتى أصبح الحاضنة الفكرية والنفسية لظاهرة التطرف عند الجيل الجديد من الشباب العربي، الذي وجد نفسه أمام أفق مسدود، ساهمت أنظمة الفساد والاستبداد المدعومة من الخارج في تكريسه وتأبيده وكأنه قدر يصعب ردّه.

ثمة عوامل عديدة ساهمت في تكريس هذه الحالة كان أهمّها محاولة إبعاد الجيل الجديد عن العمل السياسي، من خلال إلهائه بالجانب الطقسي والثقافي للدين، سواء عبر المعاهد الدينية المدارة من قبل رجال دين محسوبين على النظام ومستفيدين منه، أو من خلال الاستنجاد بالدين لمواجهة فشل مشاريع التنمية وتردّي الأوضاع الاقتصادية والسياسية، أو من خلال الاستعانة بحركات الإسلام السياسي لمواجهة قوى اليسار وإشغالها بمعارك تستنزف قواهم جميعا، وتجعل النظام محافظا على قوّته واستقراره كما حدث في زمن السادات.

في سوريا عمد حافظ الأسد لمواجهة ردّ فعل الشارع الإسلامي على استبداده إلى فتح مئات معاهد الأسد لتحفيظ القرآن بغية إبعاد الجيل الجديد عن الانخراط في العمل السياسي. ورغم ضبطه أمنيا لتلك المعاهد من قبل رجال دين موالين له، ساهمت تلك المراكز أولا في تكريس الثقافة الدينية على حساب مصادر الثقافة الأخرى، لكن الأخطر تمثّل في أن تلك المراكز ركّزت على الجانب الغيبي ولم تعمل على تقديم رؤية عصرية للدين فكانت تقليدية استغلّها البعض لتمرير الفكر المتشدّد.

هذه المعاهد وغيرها كان يجري تعزيزها في الوقت الذي كانت فيه قوى اليسار والليبرالية في المجتمع السوري تواجه بالقمع والاعتقال لسنوات طويلة، ما ترك الساحة خالية، لتلك القوى التي استغلت هذا الوضع لخدمة أهداف النظام، الذي أجاد بحكم خبرته في استثماره كما كان الأمر مع ظاهرة أبو القعقاع، ثم مع مجموعة القبيسيات التي استقطبت الآلاف المؤلفة من النساء.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر